ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٠٢ - ٧٧ - ما العارف من إذا أشار وجد الحق أقرب إليه من إشارته، بل العارف من لا إشارة له لفنائه في وجوده و انطوائه في شهوده
بالأنوار، و الأسماء بالأسماء، و النعوت بالنعوت، و الأفعال بالأفعال انتهى. و أطلق المزج على التبديل مناسبة للشراب. و قال إمام الطريقة أبو القاسم الجنيد رضي اللّه تعالى عنه في وصف العارف: عبد ذاهب عن نفسه، متصل بذكر ربه، قائم بأداء حقه، ناظر إليه بقلبه، أحرقت قلبه أنوار هدايته، و صفا شرابه من كأس وده، تجلى له الجبار عن أستار غيبه، فإن تكلم فباللّه، و إن سكت فمن اللّه، و إن تحرك فبإذن اللّه، و إن سكن فمع اللّه، فهو باللّه و للّه و مع اللّه و من اللّه و إلى اللّه انتهى. فهذه صفات العارف الحقيقي الراسخ المتمكن قد كلّ لسانه عن التعبير، و استغنى عن الإشارة و المشير، فإذا صدرت منه إشارة أو تعبير، فإنما ذلك لفيضان وجد أو هداية فقير، و قد صدرت إشارات من المتمكنين، فتحمل على هذا القصد، كقول الشيخ أبي العباس رضي اللّه تعالى عنه:
|
أعندك عن ليلى حديث محرّر |
بإيراده يحيي الرّميم و ينشر؟ |
|
|
فعهدي بها العهد القديم و إنّني |
على كلّ حال في هواها مقصّر |
|
|
و قد كان منها الطّيف قدما يزورني |
و لما يرز ما باله يتعذّر؟ |
|
|
و هل بخلت حتّى بطيف خيالها |
أم اعتلّ حتّى لا يصحّ التّصوّر؟ |
|
|
و من وجه ليلى طلعة الشّمس تستضي |
و في الشمس أبصار الورى تتحيّر |
|
|
و ما احتجبت إلا برفع حجابها |
و من عجب أنّ الظّهور تستّر |
|
هكذا وجدت بخط الشيخ و كان كثيرا ما يتمثل بها. قاله المصنف في «لطائف المنن» فقول الشيخ ما العارف إلخ. أي ليس العارف الكامل و هو الراسخ المتمكن، و أما السائر فيحتاج إلى الإشارة و يجد الحق أقرب إليه من الإشارة، أو معها و هي إعانة له و قوته، كالعبارة للمتوجهين، و سيأتي: العبارة قوت لعائلة المستمعين، و ليس لك إلا ما أنت له آكل. و قوله: من إذا أشار: أي أشير له، و قوله: بل العارف من لا إشارة له أي لا يحتاج إليها في نفسه، و قد يشير لأجل غيره كما تقدم، و إنما استغنى عن الإشارة، لأن الإشارة و العبارة قوت الجائع، و هو قد شبع و استغنى، أو تقول: لأن الإشارة تقتضي البينونة