ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٠١ - ٧٧ - ما العارف من إذا أشار وجد الحق أقرب إليه من إشارته، بل العارف من لا إشارة له لفنائه في وجوده و انطوائه في شهوده
العبارة و هم الجهال من عموم الناس. و منهم من يفهم المقصود، و يجد الحق بعد الإشارة أي بعد سماع الإشارة و هم أهل البداية من السائرين. و منهم من يفهم الإشارة و يجد المشار إليه و هو الحق أقرب إليه من إشارته و هم أهل الفناء في الذات قبل التمكين. و لهذا تجدهم يتواجدون عند السماع، و يتحركون و تطيب أوقاتهم و تهيم أرواحهم، أكثر مما يتواجدون عند الذكر، لأن الإشارة تهيج أكثر من العبارة، بخلاف المتمكنين قد رسخت أقدامهم و اطمأنت قلوبهم و تحقق وصولهم، فاستغنوا عن الإشارة و المشير، و لذلك قيل للجنيد رضي اللّه تعالى عنه: ما لك كنت تتحرك عند السماع و تتواجد و اليوم لا نراك تتحرك بشيء؟
قال: وَ تَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَ هِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ [النمل: ٨٨]، انتهى. و هذا هو العارف الذي لا إشارة له، لفنائه في وجود الحق و انطوائه في شهوده، أو تقول لتحقق وصوله و تمكنه في شهوده، فصار المشير عين المشار إليه لفناء وجوده في وجود محبوبه، و انطواء ذاته في ذات مشهوده، أو تقول لزوال و همه و ثبوت علمه فتحققت الوحدة و امتحقت الغيرية: رقّ الزجاج و رقت الخمر، فتشابها و تشاكل الأمر، فكأنّما خمر و لا قدح، و كأنّما قدح و لا خمر، فالأقداح أشباح، و الخمور أرواح، أو تقول:
لذهاب حسّه و انطماس رسمه، فانكسرت الأواني و سطعت المعاني:
|
و طاح مقامي في الرّواسم كلّها |
فلست أرى في الوقت قربا و لا بعدا |
|
|
فنيت به عنّي فبان به عيبي |
فهذا ظهور الحقّ عند الفنا قصدا |
|
|
أحاط بنا التعظيم من كلّ جانب |
و عادت صفات الحقّ مما يلي العبدا |
|
قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي اللّه تعالى عنه: إن للّه عبادا محق أفعالهم بأفعاله و أوصافهم بأوصافه و ذاتهم بذاته و حملهم من أسراره ما تعجز عنه الأولياء. و قال القطب الشيخ ابن مشيش رضي اللّه تعالى عنه و نفعنا ببركاته:
و شراب المحبة مزج الأوصاف بالأوصاف، و الأخلاق بالأخلاق، و الأنوار