ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٩٠ - ٧٠ - من رأيته مجيبا عن كل ما سئل، و معبرا عن كل ما شهد، و ذاكرا لكل ما علم، فاستدل بذلك على وجود جهله
و إذا كان اللّه تعالى يقول: وَ لا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ [النساء: ٥]، فكيف بالعلم الذي هو لؤلؤ مكنون، قال عليه الصلاة و السلام: «إنّ من العلم كهيئة المكنون لا يعرفه إلا العلماء باللّه، فإذا أظهروه أنكره أهل الغرّة باللّه[١]»، انتهى. و قال أبو هريرة رضي اللّه تعالى عنه: حفظت من رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم جرابين من علم، أما أحدهما فبثثته في الناس، و أما الآخر فلو بثثته لقطع مني هذا البلعوم[٢] انتهى. و للّه در زين العابدين سيدنا علي بن الحسين بن علي كرم اللّه تعالى وجهه حيث يقول:
|
يا ربّ جوهر علم لو أبوح به |
لقيل لي أنت ممّن يعبد الوثنا |
|
|
و لاستحلّ رجال مسلمون دمي |
يرون أقبح ما يأتونه حسنا |
|
|
إنّي لأكتم من علمي جواهره |
كي لا يرى الحقّ ذو جهل فيفتتنا |
|
و قال الروذباري رحمه اللّه تعالى: علمنا هذا إشارة، فإذا صار عبارة خفي.
و قال الإمام الغزالي: قد تضر الحقائق بأقوام، كما يتضرر الجعل بالورد و المسك. قلت: قد يرخّص للعارف الماهر إلقاء الحقائق مع من لا يعرفها بعبارة رقيقة و إشارة لطيفة، و غزل رقيق بحيث لا يأخذ السامع منها شيئا، فقد كان الجنيد رضي اللّه تعالى عنه يلقي الحقائق على رؤوس الأشهاد، فقيل له في ذلك، فقال: جانب العلم أحمى من أن يأخذه غير أهله، أو علمنا محفوظ من أن يأخذه غير أهله، و اللّه تعالى أعلم. ثم إن الإجابة عن كل ما سئل و التعبير عن كل ما شهد، و ذكر كل ما علم يوجب إقبال الخلق عليهم و تعظيمهم و إكرامهم في هذه الدار، لأن من ظهرت مزيّته وجبت خدمته، و من شأن العامة تعظيم صاحب الكرامة، فيجني ثمرة علمه و عمله في هذه الدار الفانية، و تفوته درجات الصّدّيقين في تلك الدار الباقية، فأمره بكتمها، و يقنع بعلم اللّه، و يدخر الجزاء
[١] - رواه الديلمي في الفردوس( ١/ ٢١٠)، و ذكره المنذري في الترغيب( ١/ ٥٨).
[٢] - لم أقف عليه.