ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٨٨ - ٧٠ - من رأيته مجيبا عن كل ما سئل، و معبرا عن كل ما شهد، و ذاكرا لكل ما علم، فاستدل بذلك على وجود جهله
القاضي، فقلدها في عنقه. و قد سئل مالك رحمه اللّه عن اثنتين و ثلاثين مسألة، فأجاب عن ثلاث، و قال في الباقي: لا أدري، فقال له السائل: و ما نقول للناس؟
فقال: قل لهم: قال مالك: لا أدري. و أيضا إجابة كل سائل جهل و ضرر؛ إذ قد يكون السائل متعنتا لا يستحق جوابا، و قد تكون المسألة التي سأل عنها لا تليق به، لأنه لا يفهمها و لا يطيق معرفتها فتوقعه في الحيرة، أو الإنكار، و قد قال صلى اللّه عليه و آله و سلم: «لا تؤتوا الحكمة غير أهلها فتظلموها و لا تمنعوها أهلها فتظلموهم[١]»، و في ذلك يقول الشاعر:
|
سأكتم علمي عن ذوي الجهل طاقتي |
و لا أنثر الدّرّ النفيس على البهم |
|
|
فإن قدّر اللّه الكريم بلطفه |
و لاقيت أهلا للعلوم و للحكم |
|
|
بذلت علومي و استفدت علومهم |
و إلا فمخزون لديّ و مكتتم |
|
|
فمن منح الجهّال علما أضاعه |
و من منع المستوجبين فقد ظلم |
|
و قال عليّ كرم اللّه وجهه: حدّث الناس بقدر ما يفهمون، أتريدون أن يكذب اللّه و رسوله؟. و قد قيل للجنيد رضي اللّه تعالى عنه: يسألك الرجلان فتجيب هذا بخلاف ما تجيب به هذا؟ فقال: الجواب على قدر السائل قال صلى اللّه عليه و آله و سلم: «أمرنا أن نخاطب النّاس على قدر عقولهم[٢]» انتهى.
و قال رجل لبعض العلماء، و قد سأله فلم يجبه: أما علمت أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم قال: «من كتم علما نافعا ألجم يوم القيامة بلجام من النّار[٣]»، فقال له: العالم اترك اللجام و اذهب، فإن جاء من يستحقه و كتمته فليلجمني به انتهى. و أما وجه جهله في كونه معبرا عن كل ما شهد من الكرامات، و ما وصل إليه من المقامات، و ما ذاقه من الأنوار و الأسرار، فلأن
[١] - رواه أبو نعيم في الحلية( ٣/ ٢١٩)، و ذكره المناوي في الفيض( ٥/ ٤٢٧).
[٢] - ذكره العجلوني في كشف الخفاء( ١/ ٢٢٥)، و السيوطي في تدريب الراوي( ٢/ ١٧٥) بنحوه.
[٣] - ذكره الآمدي في الإحكام( ٤/ ١٦٠) بنحوه.