ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٨٥ - ٦٨ - قوم أقامهم الحق لخدمته، و قوم اختصهم بمحبته كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ما كان عطاء ربك محظورا الإسراء ٢٠
يعني أن الزاهد اصطاده اللّه من الدنيا، فقبضه و أدخله الجنة، و العارف اصطاده الحق من الجنة، فأدخله الحضرة، اصطاده من جنة الحس و جعله في جنة المعنى، و هي جنة المعارف.
و قال شيخ شيوخنا سيدي علي رضي اللّه تعالى عنه في كتابه: سبحان من هيأ أقواما لخدمته و أقامهم فيها، و هيأ أقواما لمحبته و أقامهم فيها، أهل الخدمة تجلى لهم الحق بصفة الجلال و الهيبة، فصاروا مستوحشين من الخلق، قلوبهم شاخصة لما يرد عليها من حضرة الحق، قد نحلت أجسادهم و اصفرت ألوانهم و خمصت بطونهم، و بالشوق ذابت أكبادهم، و قطعوا الدياجي بالبكاء و النحيب، و استبدلوا الدنيا بالمجاهدة في الدين، و رغبوا في جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: ١٣٣]، أهل المحبة تجلى لهم الحق تعالى بصفة الجمال و المحبة و سكروا بخمر لذيذ القربة شغلهم المعبود عن أن يكونوا من العباد و لا من الزهاد، اشتغلوا بالظاهر و الباطن و هو اللّه فحجبوا عن كل ظاهر و باطن، زهدوا في التنعم و الإنعام و اشتغلوا بمشاهدة الملك العلام انتهى كلامه رضي اللّه تعالى عنه، هذا آخر الباب السابع.
و حاصلها: رفع الهمة و شكر النعمة و حسن الأدب في الخدمة، و نفوذ العزيمة بالانتقال من دوام الخدمة إلى المحبة و المعرفة، و إذا أراد اللّه أن يصطفي عبدا لحمل معرفته و ينقله من تعب خدمته، قوّى عليه الواردات الإلهية، فجذبته إلى الحضرة الربانية، و هي مواهب لا مكاسب، لا تنال بأعمال لا بحيل، و قلّ أن تأتي إلا بغتة كما أشار إلى ذلك في أول الباب الثامن.