ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٧٠ - ٦٤ - من لم يشكر النعم، فقد تعرض لزوالها، و من شكرها فقد قيدها بعقالها
و من أقبل على اللّه بملاطفة إحسانه وجب عليه شكر ما أسدى إليه من لطائف كرمه و امتنانه و إلا زالت عنه بسبب كفره و عصيانه، و إلى ذلك أشار بقوله:
٦٤- من لم يشكر النّعم، فقد تعرّض لزوالها، و من شكرها فقد قيّدها بعقالها.
قلت: اتفقت مقالات الحكماء على هذا المعنى، و أن الشكر قيد الموجود و صيد المفقود، و قالوا أيضا: من أعطي النعمة و لم يشكر سلب منها و لم يشعر، فمن شكر النعمة فقد قيدها بعقالها، و من كفرها فقد تعرض لزوالها قال تعالى:
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد: ١١]، أي أن اللّه لا يغير ما بقوم من النعم حتى يغيروا ما بأنفسهم من الشكر، و تغييرهم الشكر هو اشتغالهم بالمعاصي و الكفر. و لذلك قال الجنيد رضي اللّه تعالى عنه: الشكر ألا يعصى اللّه بنعمه، و قيل: الشكر فرح القلب بالمنعم لأجل نعمته حتى يتعدى ذلك إلى الجوارح فتنبسط بالأوامر و تنكف عن الزواجر. و قال في لطائف المنن:
الشكر على ثلاثة أقسام: شكر اللسان، و شكر الأركان، و شكر الجنان. فشكر اللسان: التحدث بنعم اللّه، قال تعالى: وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: ١١]. و شكر الأركان: العمل بالطاعة للّه تعالى قال تعالى: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً [سبأ: ١٣]، و شكر الجنان: بالاعتراف بأن كل نعمة بك أو بأحد من العباد هي من اللّه تعالى، قال اللّه تعالى: وَ ما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل: ٥٣]. و من القسم الأول: قول النبي صلى اللّه عليه و آله و سلم:
«التّحدّث بالنّعم شكر[١]». و من الثاني: أنه صلى اللّه عليه و آله و سلم قام حتى تورمت قدماه فقيل له: أتتكلف كل ذلك و قد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر؟ فقال: «أفلا أكون عبدا شكورا[٢]» انتهى.
[١] - رواه القضاعي في الشهاب( ١/ ٦١)، و الديلمي في الفردوس( ٢/ ٧٧).
[٢] - رواه البخاري( ٤/ ١٨٣٠)، و مسلم( ٤/ ٢١٧١).