ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٦٩ - ٦٣ - من لم يقبل على الله بملاطفات الإحسان قيد إليه بسلاسل الامتحان
اليد، فقد تكون اليد معمورة و القلب فقير[١]، و قد يكون القلب غنيّا باللّه و اليد فقيرة، و قد تكون اليد معمورة و القلب مع اللّه غنيّا به عما سواه.
قال بعض المشايخ: كان رجل بالمغرب من الزاهدين في الدنيا، و من أهل الجد و الاجتهاد، و كان عيشه مما يصيده من البحر، و كان الذي يصيده يتصدق ببعضه و يتقوّت ببعضه، فأراد بعض أصحاب هذا الشيخ أن يسافر إلى بلد من بلاد المغرب، فقال له هذا الزاهد: إذا دخلت على بلدة كذا فاذهب إلى أخي فلان فاقرئه مني السلام و اطلب منه الدعاء، فإنه وليّ من أولياء اللّه تعالى، قال:
فسافرت حتى قدمت تلك البلدة، فسألت عن ذلك الرجل، فدللت على دار لا تصلح إلا للملوك فتعجبت من ذلك و طلبته قيل لي: هو عند السلطان فازداد تعجبي، فبعد ساعة، و إذا هو قد أتى في أفخر مركب و ملبس، و كأنما هو ملك في مركبه قال: فازداد تعجبي أكثر من الأوّلين، فهممت بالرجوع و عدم الاجتماع به. ثم قلت: لا يمكنني مخالفة الشيخ فاستأذنت فأذن لي فلما دخلت رأيت ما هالني من العبيد و الخدم و الشارة الحسنة، فقلت له: أخوك فلان يسلم عليك. قال لي: جئت من عنده؟ قلت: نعم. قال: إذا رجعت إليه فقل له إلى كم اشتغالك بالدنيا، و إلى كم إقبالك عليها و إلى متى لا تنقطع رغبتك فيها؟
فقلت: و اللّه هذا أعجب من الأولى، فلما رجعت إلى الشيخ قال: اجتمعت بأخي فلان؟ قلت: نعم قال: فما الذي قال لك؟ قلت: لا شيء قال: لا بد أن تقول لي، فأعدت عليه ما قال فبكى طويلا، و قال صدق أخي فلان هو غسل اللّه قلبه من الدنيا و جعلها في يده و على ظاهره، و أنا أخذها من يدي ولي إليها بقايا التطلع انتهى. من لطائف المنن للمؤلف رحمه اللّه و رضي عنه.
فأحوال الأولياء لا تنضبط بفقر و لا غني، لأن الولاية أمر قلبي، لا يعلمها إلا من خصهم بها و باللّه التوفيق.
[١] - جملة« و القلب فقير» في محل نصب حال.