ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٦٤ - ٦٢ - أنت حر مما أنت عنه آيس، و عبد لما أنت فيه طامع
|
رأيت القناعة رأس الغنى |
فصرت بأذيالها ممتسك |
|
|
فألبسني عزّها حلة |
يمرّ الزّمان و لا تنتهك |
|
|
فصرت غنيّا بلا درهم |
أتيه على النّاس تيه الملك |
|
قلت: و هذا هو الغنى الأكبر و الإكسير عند الأكياس، و يسمى في اصطلاح الصوفية الورع، أعني الورع الخاص و هو رفع الهمة عن السوى. قال في لطائف المنن: و اعلم رحمك اللّه أن ورع الخصوص لا يفهمه إلا قليل، فإن من جملة ورعهم تورعهم أن يسكنوا لغيره أو يميلوا بالحب لغيره، أو تمتد أطماعهم بالطمع في غير فضله و خيره. و من ورعهم ورعهم عن الخوف مع الوسائط و الأسباب، و خلع الأنداد و الأرباب. و من ورعهم ورعهم عن الوقوف مع العادات، و الاعتماد على الطاعات و السكون إلى أنوار التجليات. و من ورعهم ورعهم عن أن تفتنهم الدنيا، أو توقفهم الآخرة: تورعوا عن الدنيا وفاء، و عن الآخرة صفاء. قال الشيخ عثمان بن عاشوراء رضي اللّه تعالى عنه: خرجت من بغداد أريد الموصل، فأنا أسير و إذا بالدنيا قد عرضت علي بعزها و جاهها و رفعتها و مراكبها و ملابسها و مزيناتها و مشتهياتها، فأعرضت عنها، فعرضت علي الجنة بحورها و قصورها و أنهارها و ثمارها، فلم أشتغل بها، فقيل لي يا عثمان:
لو وقفت مع الأولى لحجبناك عن الثانية، و لو وقفت مع الثانية لحجبناك عنا، فها نحن لك و قسطك من الدارين يأتيك. قال الشيخ عبد الرحمن المغربي رضي اللّه تعالى عنه: و كان مقيما بشرقي الإسكندرية: حججت سنة من السنين، فلما قضيت الحج عزمت على الرجوع إلى الإسكندرية، فإذا النداء علىّ إنك العام القابل عندنا، فقلت في نفسي: إذا كنت العام القابل هاهنا فلا أعود إلى الإسكندرية. فخطر عليّ الذهاب إلى اليمن، فأتيت إلى عدن، فأنا يوما على ساحلها أمشي، و إذا بالتجار قد أخرجوا بضائعهم و متاجرهم، ثم نظرت فإذا رجل قد فرش سجادة على البحر و مشى على الماء، فقلت في نفسي لم أصلح