ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٥٦ - ٥٩ - قطع السائرين له و الواصلين إليه عن رؤية أعمالهم و شهود أحوالهم أما السائرون، فلأنهم لم يتحققوا الصدق مع الله فيها، و أما الواصلون فلأنه غيبهم بشهوده عنها
٥٩- قطع السائرين له و الواصلين إليه عن رؤية أعمالهم و شهود أحوالهم. أمّا السائرون، فلأنّهم لم يتحقّقوا الصّدق مع اللّه فيها، و أما الواصلون فلأنّه غيّبهم بشهوده عنها.
قلت: قطع: هنا بمعنى غيب، و لو عبر به لكان أظهر و أسهل لما في التعبير بالقطع من الشؤمة[١]، و في عبارته شيء من النقص، فلو قال: غيب السائرين له عن رؤية أعمالهم و أحوالهم و الواصلين إليه عن رؤية وجودهم، أما السائرون فلأنهم لم يتحققوا فيها الصدق مع اللّه، و أما الواصلون فلأنهم لم يشهدوا مع اللّه سواه[٢]، يعني أن الحق تعالى غيب السائرين له و الواصلين إليه، عن رؤية أعمالهم الظاهرة و شهود أحوالهم الباطنية أما السائرون، فلأنهم يتهمون أنفسهم على الدوام فمهما صدر منهم إحسان و لاح لهم يقظة أو وجدان رأوها في غاية الخلل و النقصان، فاستحيوا من اللّه أن يعتمدوا عليها أو يعتدوا بها، فغابوا عن أعمالهم و أحوالهم و اعتمدوا على فضل ربهم، فالصدق هو لبّ الإخلاص و سره، أي لم يتحققوا بسر الإخلاص فيها فلم يروها و لم يركنوا إليها، سئل بعض العارفين: ما علامة قبول العمل؟ قال: نسيانك إياه و انقطاع نظرك عنه بالكلية بدلالة قوله تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر: ١٠].
[١] - و لم يكن ذلك ممكنا لأنه يقول عن الواصلين بعد ذلك:" غيبهم شهوده"، و في التكرار شيء من الركاكة لذا عبر ب" قطع". و قد فسره الإمام الشرقاوي ب" حجب" و لعله أنسب للمقام.
[٢] - لعل عبارة سيدي ابن عجيبة أوضح بحق، إلا أنه يلوح أنه فهم اشتراك السائرين و الواصلين في عدم رؤية الأعمال و الأحوال، بينما يلوح من العبادة لف و نشر، فيكون معنى الحكمة: قطع السائرين عن رؤية الأعمال و الواصلين عن شهود الأحوال، و يؤيده قول البريفكاني في نظمه للحكم: فقطع السائر عن أعماله، و قطع الواصل عن أحواله، انظر شرح الحكم العطائية المسمى ب تلخيص الحكم ص ١٩٤.