ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٥٤ - ٥٨ - لا تفرحك الطاعة لأنها برزت منك، و افرح بها لأنها برزت من الله إليك قل بفضل الله و برحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون يونس ٥٨
و الحقيقة. فنور الشريعة يكشف: ظلمة البطالة و التقصير و يظهر نور المجاهدة و التشمير، فتحكم البصيرة بقبح البطالة و حسن المجاهدة، فيقبل القلب على مجاهدة الجوارح في طاعة مولاه، و يدبر عن متابعة حظوظه و هواه، و نور الطريقة يكشف: ظلمة المساوئ و العيوب، و يظهر بهجة الصفاء، و ما يثمره من علم الغيوب، فتحكم البصيرة بقبح العيوب و حسن الصفاء و علم الغيوب، فيقبل القلب على ما يوجب التصفية، و يدبر عما يمنعه من التخلية و التحلية.
و نور الحقيقة يكشف: ظلمة الحجاب و يظهر له محاسن الأحباب، أو تقول:
نور الحقيقة يكشف له ظلمة الأكوان و يظهر نور الشهود و العيان، فيقبل القلب على مشاهدة الأحباب داخل الحجاب، و يدبر عما يقطعه عن الأدب مع الأحباب، جعلنا اللّه معهم على الدوام في هذه الدار و في دار السلام آمين.
و لما كان أصل كل نور و سر و خير هو طاعة اللّه، و أصل كل ظلمة و حجاب و بعد هو معصية اللّه، و من علامة حياة القلب: فرحه بالطاعة و حزنه على صدور المعصية، نبّهك الشيخ على وجه الفرح بالطاعة التي هي سبب نور القلوب، و مفاتيح الغيوب، فقال:
٥٨- لا تفرحك الطّاعة لأنها برزت منك، و افرح بها لأنها برزت من اللّه إليك قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس: ٥٨].
قلت: قد تقدم في الحديث: «من سرّته حسناته، و ساءته سيئاته فهو مؤمن» و الناس في الفرح بالطاعة على ثلاثة أقسام: قسم: فرحوا بها لما يرجون عليها من النعيم و يدفعون بها من عذابه الأليم، فهم يرون صدورها من أنفسهم لأنفسهم لم يتبرءوا فيها من حولهم و قوتهم، و هم من أهل قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة: ٥]. و قسم: فرحوا بها من حيث إنها عنوان الرضا و القبول، و سبب في القرب و الوصول، فهي هدايا من الملك الكريم، و مطايا تحملهم إلى حضرة