ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٤٨ - ٥٢ - إنما أورد عليك الوارد لتكون به عليه واردا
قال النهر جوري رحمه اللّه: من علامات من تولاه اللّه في أحواله أن يشهد التقصير في إخلاصه، و الغفلة في أذكاره، و النقصان في صدقه، و الفتور في مجاهدته، و قلة المراعاة في فقره، فتكون جميع أحواله عنده مرضية، و يزداد فقرا إلى اللّه في قصده و سيره، حتى يغنى عن كل شيء دونه انتهى. و إذا حيى القلب بمعرفة اللّه كان محلا لتجلي الواردات الإلهية، و إلى ذلك أشار بقوله:
٥٢- إنّما أورد عليك الوارد لتكون به عليه واردا.
قلت: الوارد نور إلهي يقذفه اللّه في قلب من أحب من عباده و هو على ثلاثة أقسام على حسب البداية و الوسط و النهاية أو تقول على حسب الطالبين و السائرين و الواصلين. القسم الأول: وارد الانتباه و هو نور يخرجك من ظلمة الغفلة إلى نور اليقظة و هو لأهل البداية من الطالبين، فإذا تيقظ من نومه و انتبه من غفلته استوى على قدمه طالبا لربه فيقبل عليه بقلبه و بقالبه، و ينجمع عليه بكليته.
القسم الثاني: وارد الإقبال و هو نور يقذفه اللّه في قلب عبده فيحركه لذكر مولاه و يغيبه عما سواه، فلا يزال مشتغلا بذكره غائبا عن غيره حتى يمتلئ القلب بالنور و يغيب عما سوى المذكور، فلا يرى إلا النور، فيخرج من سجن الأغيار، و يتحرر من رق الآثار.
القسم الثالث: وارد الوصال و هو نور يستولى على قلب العبد ثم يستولى على ظاهره و باطنه، فيخرجه من سجن نفسه و يغيبه عن شهود حسه.
و قد أشار إلى القسم الأول و هو وارد الانتباه بقوله: إنما أورد عليك إلخ أي إنما أشرق عليك نور اليقظة و الانتباه، و هو الوارد لتكون بسببه واردا عليه و سائرا إليه، و لو لم يورد عليك هذا الوارد لبقيت في وطن غفلتك نائما في سكرتك دائما في حسرتك.
ثم أشار إلى القسم الثاني، و هو وارد الإقبال فقال: