ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١١٤ - ٣٤ - اخرج من أوصاف بشريتك عن كل وصف مناقض لعبوديتك، لتكون لنداء الحق مجيبا، و من حضرته قريبا
و من ألقاه اللّه إلى شيخ التربية، فلا يحتاج إلى شيء سوى الاستماع و الاتباع، فإذا خرج المريد من أخلاق البهائم تخلق بأخلاق الروحانيين، كالزهد و الورع، و القناعة و العفة، و الغنى باللّه و الأنس به. و إذا خرج من أخلاق الشياطين تخلق بأخلاق المؤمنين أو بأخلاق الملائكة كالتواضع و سلامة الصدور، و الحلم و السكينة، و الرزانة و الطمأنينة، و السهولة و الليونة و الخمول و الاكتفاء بعلم اللّه و الشفقة و الرحمة، و تعظيم الفقراء و المساكين، و أهل النسبة و جميع الأمة، و الكرم و السخاء و الجود و الإخلاص و الصدق، و المراقبة و المشاهدة و المعرفة، فإذا تخلّق العبد بهذه الأخلاق و تحقق بها ذوقا بعد أن تخلص من أضدادها، كان عبدا خالصا لمولاه حرّا مما سواه، و كان لندائه مجيبا، و من حضرته قريبا فإذا قال له ربه: يا عبدي قال له: يا رب، فكان صادقا في إجابته لصدق عبوديته، بخلاف ما إذا كان منهمكا في شهواته الظاهرة و الباطنة، كان عبدا لنفسه و شهواته، فإذا قال: يا رب كان كاذبا إذ من أحب شيئا، فهو عبد له و هو لا يحب أن تكون عبدا لغيره، و إذا تخلص من رق الشهوات و الحظوظ، كان أيضا قريبا من حضرة الحق، بل عاكفا فيها، إذ ما أخرجنا عن الحضرة إلا حبّ هذه الخيالات الوهمية فإذا تحررنا منها و تحققنا بالعبودية وجدنا أنفسنا في الحضرة. و اعلم أن هذه الأوصاف البشرية التي احتجبت بها الحضرة إنما جعلها اللّه منديلا لمسح أقذار القدر كالنفس و الشيطان و الدنيا، فجعل اللّه النفس و الشيطان منديلا للأفعال المذمومة و جعل البشرية منديلا للأخلاق الدنيئة، و ما ثم إلا مظاهر الحق و تجليات الحق، و ما ثم سواه، و لا حول و لا قوة إلا باللّه. ثم إن هذه العيوب سبب بقائها في الإنسان باعتبار الحكمة هي الغفلة عن البحث عنها و سبب الغفلة عن البحث عنها، هو الرضا عن النفس إذ لو أساء ظنه بها لبحث عن مساوئها فاستخرجها و تطهر منها، فلذلك قال: