ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١١١ - ٣٢ - تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوب خير من تشوفك إلى ما حجب عنك من الغيوب
الباب الثالث
ثم افتتح الباب الثالث بذكر التخلية و التحلية فقال رضي اللّه تعالى عنه:
٣٢- تشوّفك إلى ما بطن فيك من العيوب خير من تشوّفك إلى ما حجب عنك من الغيوب.
التشوف إلى الشيء: الاهتمام به، و التطلع له.
قلت: تشوفك أيها الإنسان إلى ما بطن فيك من العيوب كالحسد و الكبر و حب الجاه و الرياسة، و همّ الرزق و خوف الفقر، و طلب الخصوصية و غير ذلك من العيوب، و البحث عنها، و السعي في التخلص منها أفضل من تشوفك إلى ما حجب عنك من الغيوب، كالاطلاع على أسرار العباد و ما يأتي به القدر من الوقائع المستقبلة، و كالاطلاع على أسرار غوامض التوحيد قبل الأهلية له، لأن تشوفك إلى ما بطن من العيوب سبب في حياة قلبك، و حياة قلبك سبب في الحياة الدائمة و النعيم المقيم، و الاطلاع على الغيوب إنما هو فضول، و قد يكون سببا في هلاك النفس كاتصافها بالكبر و رؤية المزية على الناس. و سيأتي للشيخ «من اطلع على أسرار العباد و لم يتخلق بالرحمة الإلهية كان اطلاعه فتنة عليه و سببا يجر الوبال إليه». اعلم أن العيوب ثلاثة: عيوب النفس، و عيوب القلب، و عيوب الروح. فعيوب النفس: تعلقها بالشهوات الجسمانية كطيب المآكل و المشارب و الملابس و المراكب و المساكن و المناكح و شبه ذلك. و عيوب القلب:
تعلقه بالشهوات القلبية كحب الجاه و الرياسة و العز و الكبر و الحسد و الحقد و حب المنزلة و الخصوصية و شبه ذلك مما يأتي إن شاء اللّه في أوصاف البشرية.
و عيوب الروح: تعلقها بالحظوظ الباطنية كطلب الكرامات و المقامات و القصور و الحور و غير ذلك من الحرف. فتشوف المريد إلى شيء من ذلك كله قادح في عبوديته مانع له من القيام بحقوق ربوبيته، فاشتغاله بالبحث عن عيوبه