ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٠٩ - ٣١ - اهتدى الراحلون إليه بأنوار التوجه، و الواصلون لهم أنوار المواجهة، فالأولون للأنوار، و هؤلاء الأنوار لهم لأنهم لله لا لشيء دونه قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون الأنعام ٩١
الأوراق، فما دمت متّكلا على كنز غيرك لا تحفر على كنزك أبدا، فاقطع عنك المادة و افتقر إلى اللّه تفيض عليك المواهب من اللّه: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ [التوبة: ٦٠]. إن أردت بسط المواهب عليك صحح الفقر و الفاقة لديك. و قد قال الشيخ الدباس لتلميذه ابن ميمونة حين تأخر عنه الفتح فرصده فوجده يطالع رسالة القشيري: اطرح كتابك، و احفر في أرض نفسك يخرج لك ينبوع، و إلا فاذهب عني، انتهى، و باللّه التوفيق[١]. ثم ذكر سبب اتساع العلوم على الواصلين دون السائرين، و هو أن الواصلين لم يقفوا مع شهود الأنوار، بل نفذوا إلى نور الأنوار بخلاف السائرين، فإنهم واقفون مع الأنوار مفتقرون إليها مملوكون في يدها فقال:
٣١- اهتدى الراحلون إليه بأنوار التّوجّه، و الواصلون لهم أنوار المواجهة، فالأولون للأنوار، و هؤلاء الأنوار لهم لأنهم للّه لا لشيء دونه]: قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [الأنعام: ٩١].
قلت: أنوار التوجه: هي أنوار الإسلام و الإيمان، و أنوار المواجهة: هي أنوار الإحسان أو تقول: أنوار التوجه: أنوار الطاعة الظاهرة و الباطنة، و أنوار المواجهة هي أنوار الفكرة و النظرة أو تقول: أنوار التوجه: أنوار الشريعة و الطريقة، و أنوار المواجهة: أنوار الحقيقة أو تقول: أنوار التوجه: أنوار المجاهدة و المكابدة، و أنوار المواجهة: هي أنوار المشاهدة و المكالمة. و بيان ذلك: أن الحق سبحانه إذا أراد أن يوصل عبده إليه توجه إليه أولا بنور حلاوة العمل الظاهر، و هو مقام الإسلام فيهتدي إلى العمل و يفنى فيه و يذوق حلاوته، ثم يتوجه إليه بنور حلاوة العمل الباطن و هو مقام الإيمان من الإخلاص و الصدق و الطمأنينة
[١] - و للقوم مشرب آخر حيث نقل المناوي في الكواكب الدرية عن العارف باللّه الدمرداش محمدي قوله: إن مطالعة حكايات الصالحين جند من جنود اللّه تحفز همم المريدين.