ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٠٢ - ٢٥ - ما توقف مطلب أنت طالبه بربك و لا تيسر مطلب أنت طالبه بنفسك
لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف: ١٢٨]، فكل من استعان باللّه و صبر في طلب حاجته كانت العاقبة له، و كان من المتقين و قال تعالى: وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: ٣]، أي كافيه كل ما أهمه، و قال صلى اللّه عليه و آله و سلم لبعض أصحابه و هو سويد بن غفلة: «لا تطلب الإمارة فإنك إن طلبتها و كلت إليها و إن أتتك من غير مسألة أعنت عليها»، و علامة الطلب باللّه هو الزهد في ذلك الأمر و الاشتغال باللّه عنه، فإذا جاء وقته تكوّن بإذن اللّه، و علامة الطلب بالنفس هو الحرص و البطش إليه، فإذا تعذر عليه انقبض و تغير عليه، فهذا ميزان من كان طلبه باللّه و طلبه بنفسه، فمن طلب حوائجه باللّه قضيت معنى و إن لم تقض حسا، و من طلب حوائجه بنفسه خاب سعيه و ضاع وقته، و إن قضيت نهمته و حاجته.
و ها هنا ضابط يعرف به أهل العناية من أهل الخذلان، و أهل الولاية من أهل الخسران. ذكره الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه تعالى عنه فقال: إذا أكرم اللّه عبدا في حركاته و سكناته نصب له العبودية للّه، و ستر عنه حظوظ نفسه و جعله يتقلب في عبوديته و الحظوظ عنه مستورة مع جري ما قدر له، و لا يلتفت إليها كأنه في معزل عنها، و إذا أهان اللّه عبدا في حركاته و سكناته، نصب له حظوظ نفسه و ستر عنه عبوديته، فهو يتقلب في شهواته، و عبودية اللّه عنه بمعزل و إن كان يجري عليه شيء منها في الظاهر. قال: و هذا باب من الولاية و الإهانة، و أما الصديقية العظمى و الولاية الكبرى، فالحظوظ و الحقوق كلها سواء عند ذوي البصيرة، لأنه باللّه فيما يأخذ و يترك انتهى. نقله الشيخ زروق في بعض شروحه. و الحاصل أن تصرفات العارف كلها للّه[١] و تصرفات غيره كلها بالنفس، و لو كانت باللّه فالعمل باللّه يوجب القربة، و العمل للّه يوجب المثوبة، العمل باللّه صاحبه داخل الحجاب في مشاهدة الأحباب، و العمل للّه
[١] - الأصل في المطبوع: باللّه.