ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٠١ - ٢٥ - ما توقف مطلب أنت طالبه بربك و لا تيسر مطلب أنت طالبه بنفسك
و هو الجمال، بحيث لا تفرح و لا تبطر، فإن الجلال مقرون بالجمال، و الجمال مقرون بالجلال، يتعاقبان تعاقب الليل و النهار. و العارف يتلون مع كل واحد منهما لا يستغرب شيئا، و لا يتعجب من شيء إذ كل ما يبرز من عنصر القدرة كله واحد، و بهذا وقع التفريق بين الصادق و الصديق لأن الصديق لا يتعجب من شيء و لا يتردد في شيء وعد به، بخلاف الصادق فقط، فإنه مهما رأى شيئا مستغربا تعجب منه، و إذا وعد بشيء قد يتردد في امتثاله، و قد وصف اللّه تعالى السيدة مريم بالصديقية، و لم يصف السيدة سارّة بها لأنها لما بشرت بالولد على وجه خرق العادة استغربت و قالت: إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ [هود: ٧٢]، فلذلك قالت لها الملائكة: أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [هود: ٧٣]، بخلاف مريم فلم تتعجب، و إنما سألت سؤال استفهام فقط، أو سألت عن وقت ذلك، أو كيفيته هل بالتزوج أو بغيره، و اللّه تعالى أعلم[١].
ثم ذكر الأدب الثامن، و هو أن يكون تصرفه باللّه و للّه و من اللّه و إلى اللّه، و هو مقام الصدق الذي هو لب الإخلاص، و إخلاص خواص الخواص فقال:
٢٥- ما توقّف مطلب أنت طالبه بربّك و لا تيسّر مطلب أنت طالبه بنفسك.
التوقف: الحبس و التعذر، و المطلب ما يطلب قضاؤه، و التيسر: التسهيل.
قلت: إذا عرضت لك حاجة من حوائج الدنيا و الآخرة و أردت أن تقضي لك سريعا، فاطلبها باللّه و لا تطلبها بنفسك، فإنك إذا طلبتها باللّه تيسر أمرها و سهل قضاؤها، و إن طلبتها بنفسك صعب قضاؤها و تعسر أمرها و لا يتوقف و يحبس أمر طلبته بربك و لا يتيسر و يسهل أمر طلبته بنفسك، قال تعالى حاكيا عن سيدنا موسى ٧: قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَ اصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ
[١] - و فيه نظر، و لكل مقام مقال رضي اللّه عنهما.