التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠٠ - ما ذا نفقه من تسبيح الكائنات؟
سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ. هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[١].
إذا قلت ذلك و أثنيت على اللّه بجلائل الصفات فقد نزّهته عن أضدادها ممّا لا يليق بساحة قدسه تعالى.
فهذا هو من التسبيح بالحمد و بالثناء الرفيع.
و بعبارة أصرح- وفق مصطلح أهل الكلام-: إذا أثنيت على اللّه بصفات الجمال (الصفات الثبوتيّة)، فقد وصفته بصفات الجلال (الصفات السلبيّة) و نزّهته عن الأسواء و رفّعته عن الأدناس.
و هذا من أبلغ التسبيح و التقديس بشأنه تعالى.
أمّا قولنا: «سبحان ربّي العظيم و بحمده» و «سبحان ربّي الأعلى و بحمده» فيعني: و مع حمده.
أي التنزيه مرفق بالتمجيد معا.
و لسيّدنا العلّامة الطباطبائي- هنا- رأي يجعل تسبيح الكائنات حصرا في القوليّ، لكن يفسّر القول بكلّ ما يظهر من بواطن الأشياء، و ليس تكلّما باللّسان محضا.
فالتكلّم إنّما كان قولا، لأنّه يبدي ما في كمون المتكلّم من مقاصد و آراء. فكلّ ما كان هذا شأنه، صحّ إطلاق القول بل الكلام عليه بهذا الاعتبار.
فقوله تعالى: فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ[٢]، يعني: بدت منهما ما يكشف عن طوعهما و استسلامهما لإرادة الربّ تعالى.
قال: و التسبيح تنزيه قوليّ كلاميّ، و حقيقة الكلام الكشف عمّا في الضمير بنوع من الدلالة عليه. غير أنّ الإنسان ألف لإبداء مراده بآلة اللسان و استعمال الألفاظ، و قد يعبّر عن مقصوده بمجرّد الإشارة بيده أو برأسه، و ربّما استعان بالكتابة أو نصب علامة.
قال: و بالجملة فالّذي يكشف عن معنى مقصود، قول و كلام. و قيام الشيء بهذا الكشف قول منه و تكليم، و إن لم يكن بصوت أو لفظ.
و عليه فعند هذه الموجودات المشهودة، من السماء و الأرض و ما فيهما ما يكشف كشفا
[١] الحشر ٥٩: ٢٣- ٢٤.
[٢] فصّلت ٤١: ١١.