التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٥ - اختيار أبي جعفر الطبري
قال أبو جعفر: و هذا الخبر عن قتادة يدلّ على أنّ قتادة كان يرى أنّ الملائكة قالت ما قالت من قولها: أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ على غير يقين علم تقدّم منها بأنّ ذلك كائن، و لكن على الرأي منها و الظنّ، و أنّ اللّه- جلّ ثناؤه- أنكر ذلك من قيلها و ردّ عليها ما رأت، بقوله: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ من أنّه يكون من ذرّيّة ذلك الخليفة الأنبياء و الرسل و المجتهد في طاعة اللّه[١].
قال: و قد روي عن قتادة خلاف هذا التأويل و هو:
[٢/ ٩٧٧] ما حدّثنا به الحسن بن يحيى بإسناده عن قتادة في قوله: أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ...
قال: كان اللّه أعلمهم إذا كان في الأرض خلق أفسدوا فيها و سفكوا الدماء.
و بمثل قول قتادة قال جماعة من أهل التأويل منهم الحسن البصري:
[٢/ ٩٧٨] حدّثنا القاسم بإسناده عن الحسن و قتادة قالا: قال اللّه لملائكته: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قال لهم: إنّي فاعل، فعرضوا برأيهم، فعلّمهم علما و طوى عنهم علما علمه لا يعلمونه، فقالوا بالعلم الّذي علّمهم: أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ و قد كانت الملائكة علمت من علم اللّه أنّه لا ذنب أعظم عند اللّه من سفك الدماء. و نحن نسبّح بحمدك و نقدّس لك. قال:
إنّي أعلم ما لا تعلمون. فلمّا أخذ في خلق آدم، همست الملائكة فيما بينها، فقالوا: ليخلق ربّنا ما شاء أن يخلق، فلن يخلق خلقا إلّا كنّا أعلم منه و أكرم عليه منه. فلمّا خلقه و نفخ فيه من روحه أمرهم أن يسجدوا له لما قالوا، ففضّله عليهم، فعلموا أنّهم ليسوا بخير منه. فقالوا: إن لم نكن خيرا منه فنحن أعلم منه، لأنّا كنّا قبله و خلقت الأمم قبله، فلمّا أعجبوا بعلمهم ابتلوا. فعلّم آدم الأسماء كلّها ثمّ عرضهم على الملائكة فقال: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين أنّي لا أخلق خلقا إلّا كنتم أعلم منه، فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين.
قال [الحسن]: ففزع القوم إلى التوبة، و إليها يفزع كلّ مؤمن، فقالوا: سبحانك لا علم لنا إلّا ما علّمتنا إنّك أنت العليم الحكيم. قال: يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلمّا أنبأهم بأسمائهم قال: أ لم أقل لكم إنّي أعلم غيب السماوات و الأرض و أعلم ما تبدون و ما كنتم تكتمون. لقولهم: ليخلق ربّنا ما شاء فلن يخلق خلقا أكرم عليه منّا و لا أعلم منّا.
قال: علّمه اسم كلّ شيء، هذه الجبال و هذه البغال و الإبل و الجنّ و الوحش و جعل يسمّي كلّ
[١] الطبري ١: ٢٩٥- ٢٩٦/ ٥١٢.