التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩١ - حديث التحدي
نزولها: ٥٢! و هل وقع التحدّي من الأخفّ إلى الأشدّ؟!
قلت: لا ثقة بهذا الترتيب- وفق المأثور- ليكون حتما لا نقاش فيه، فلعلّ هناك بعض التقديم و التأخير أو تساهلا في تسلسل الترقيم. لا سيّما و الاختلاف في كثير من مواضع الترتيب معروف.
على أنّ هناك من الآيات ما نزلت في وقت، و لكن تأخّر تسجيلها في سورة نزلت بعدها بزمان.
أو العكس: كان من الآيات ما نزلت في وقت متأخّر عن وقت نزول سورتها.
فمن النوع الأوّل آية الصدع[١] و آية إنذار الأقربين[٢] نزلتا في إبّان الدعوة عند ما أمر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بإظهار الدعوة و ليبدأ بعشيرته الأقربين.
قال أبو جعفر الطبري: ثمّ إنّ اللّه- عزّ و جلّ- أمر نبيّه محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بعد مبعثه بثلاث سنين أن يصدع بما جاءه منه، و أن يبادي الناس بأمره و يدعو إليه، فقال له: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ. و كان قبل ذلك- في السنين الثلاث من مبعثه- مستسرّا مخفيا أمره.
قال: و أنزل عليه: وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ .... قال: و كان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذا صلّوا ذهبوا إلى الشّعاب، فاستخفوا من قومهم[٣].
هذا و آية الصدع مسجّلة في سورة الحجر، رقم نزولها: ٥٤. و آية الإنذار مثبتة في سورة الشعراء، رقم نزولها: ٤٧. الأمر الّذي يقتضي نزولها في فترة متأخرة عام الست أو السبع من البعثة.
بعد ملاحظة أنّ مجموعة السور النازلة بمكة: ٨٦ سورة. و قد بدئت بعد العام الثالث من البعثة.
فكان ثبت آية الصدع في سورة الحجر، المتأخرة نزولا عن سورة الشعراء المثبت فيها آية الإنذار. كان ذلك دليلا على أنّ ترتيب نزول الآيات غير مرعيّ في ثبتها في السور.
و من النوع الثاني ما قيل بشأن آخر آية نزلت من القرآن، و هي قوله تعالى: وَ اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ[٤]، فيما رواه ابن الأنباري بإسناده إلى ابن عبّاس قال: آخر آية أنزلت: وَ اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ .... قال: و كان بين نزولها و وفاة
[١] قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الحجر ١٥: ٩٤- ٩٥.
[٢] قوله تعالى: وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ الشعراء ٢٦: ٢١٤.
[٣] تاريخ الطبري ٢: ٣١٨؛ سيرة ابن هشام ١: ٢٨٠.
[٤] البقرة ٢: ٢٨١.