التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٦ - سورة البقرة(٢) آية ١٣
قوله تعالى: وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَ لكِنْ لا يَعْلَمُونَ
و من صفتهم كذلك التطاول و التعالي على سائر الناس، ليكسبوا لأنفسهم جاها زائفا في أعين الآخرين.
فقد كانت الدعوة الموجّهة إليهم هي الإيمان الخالص المتجرّد عن الأهواء. إيمان المخلصين الّذين دخلوا في السلم كافّة و أسلموا وجوههم للّه، و هؤلاء هم الناس الّذين كان المنافقون يدعون ليؤمنوا مثلهم. و لكنّهم كانوا يأنفون من هذا الاستسلام للّه و لرسوله، و يرونه لائقا بضعاف الناس الّذين هم سوقة، دون العليّة ذوي الجاه.
و من ثمّ قالوا: أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ. أي المبتذلة من غوغاء العوامّ، لا رشد لهم و لا هدى!
و لذلك جاءهم الردّ الحاسم القامع: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ ...- حقيقة- وَ لكِنْ لا يَعْلَمُونَ. هم في غفوة عن الفكر الصحيح و في عمه العتوّ و الاستكبار. و لكن أنّى يشعر السفيه بسفهه، و هو- عن حمقه- يسفّه ذوي العقول الراجحة. فيا له من ابتذال الفكرة الحمقانيّة!!
[٢/ ٤١٥] أخرج ابن جرير و ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس في قوله: وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قال: صدّقوا كما صدّق أصحاب محمّد أنّه نبيّ و رسول، و أنّ ما أنزل عليه حقّ. قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ يعنون أصحاب محمّد أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ يقول: الجهّال وَ لكِنْ لا يَعْلَمُونَ يقول: لا يعقلون[١].
[٢/ ٤١٦] و قال مقاتل بن سليمان في قوله تعالى: وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ: نزلت في منذر بن معاذ، و أبي لبابة، و معاذ بن جبل، و أسيد، قالوا لليهود: صدّقوا بمحمّد إنّه نبيّ، كما صدّق به عبد اللّه بن سلام و أصحابه، فقالت اليهود: أَ نُؤْمِنُ يعني نصدّق كَما آمَنَ السُّفَهاءُ يعني الجهّال، يعنون عبد اللّه بن سلام و أصحابه. يقول اللّه- عزّ و جلّ- ردّا عليهم: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَ لكِنْ لا يَعْلَمُونَ بأنّهم السفهاء[٢].
[٢/ ٤١٧] و روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس إنّها نزلت في شأن اليهود.
[١] الدرّ ١: ٧٧؛ الطبري ١: ١٨٥ و ١٨٦ و ١٨٧/ ٢٩٠ و ٢٩٤ و ٢٩٥؛ ابن أبي حاتم ١: ٤٦/ ١٢٧ و ١٢٩ و ١٣١ و ١٣٢.
[٢] تفسير مقاتل ١: ٩٠- ٩١.