التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٨ - مراتب الهداية و درجاتها
بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ[١].
هذا هو التوفيق الإلهي يخصّ أولئك الّذين صمدوا على الحقّ و استسلموا لقيادته الرشيدة.
فوافتهم العناية الربّانيّة الكريمة.
و التوفيق: تمهيد الأسباب نحو المطلوب الخير.
وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَ آتاهُمْ تَقْواهُمْ[٢]. فبما أنّهم اهتدوا، أي سلكوا سبل السّلام سعيا وراء الاهتداء إلى الحقّ و سعادة الحياة، زادهم اللّه هدى، أي أنار لهم الدرب اللائح و كشف عنهم الظلام.
و آتاهم تقواهم، أي منحهم بصيرة في الدين و علما في يقين، فلا يضلّوا و لا يفوتهم نهج الصواب. وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ[٣]. فلا يضلّوا الطريق ما رافقهم الدليل الخبير.
أمّا الّذين عاكسوا الفطرة و أغفلوا نور العقل و نبذوا دلائل الشرع، فهم في الحقيقة عاكسوا حظّهم و ظلموا بأنفسهم و استبدلوا الشقاء بالسعادة، و اشتروا بآيات اللّه ثمنا قليلا و خسروا خسرانا مبينا. وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى. قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً. قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَ كَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى. وَ كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَ لَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَ لَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَ أَبْقى[٤].
كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَ شَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَ جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ[٥].
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ[٦].
فذلك المنح، و هذا المنع، كلّ عن علّة مقتضية و عن حكمة في الخلق و التدبير، و هذا هو معنى قوله تعالى: فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[٧]. فيضلّ أي يخذل من
[١] فصّلت ٤١: ٣٠- ٣١.
[٢] سورة محمّد ٤٧: ١٧.
[٣] العنكبوت ٢٩: ٦٩.
[٤] طه ٢٠: ١٢٤- ١٢٧.
[٥] آل عمران ٣: ٨٦.
[٦] الزمر ٣٩: ٣.
[٧] إبراهيم ١٤: ٤.