محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٩١ - الخطبة الأولى
" مرّ داوود (عليه السلام) بإسكافٍ فقال: يا هذا إعمل وكُل، فإن الله يحب من يعمل ويأكل، ولا يحب من يأكل ولا يعمل" ٤.
ربما زهد الإسكافي في حرفته، ورأى انحطاطها في نظره، مأراد داوود (ع) أن يرفع من مستوى هذه الحرفة الزهيدة في نظر الإسكافي ويعزز ثقته بنفسه ويريه أنه كبير عند الله عزوجل مادام يأكل من كدّ يده، ولايعتمد على الأكل من كدّ الآخرين، وما دام يسلك طريق الحلال والعزة والكرامة في طلب الرزق.
" لا تكسلوا في طلب معايشكم فإن آباءنا قد كانوا يركضون فيها ويطلبونها" ٥ عن الصادق (ع).
النشاط في الدنيا، بذل الجهد في العمل، الوصول إلى حالة التعب والجهد والنصب من خلال الكسب، إذا كان لحفظ ماء الوجه، وللترفع عن ذلّ المسألة وإذا كان للإنفاق في طرق الحلال، كان ذلك مما ينشدّ إليه حتى المعصوم (ع) ويركض في الدنيا مجهوداً من أجله.
المعصومون (ع) الذين لاتستلفت نظرهم الدنيا، نجد التعبير عنهم يقول بأنهم كانوا يركضون فيها من أجل أن لايكونوا عالة على الغير، ومن أجل ألا يقعوا في ذلّ الحاجة الى الناس.
" رُوي عن الحسن بن علي بن أبي حمزة عن أبيه قال: رأيت أبا الحسن (عليه السلام) يعمل في أرض له وقد استنقعت قدماه في العرق- هذا إمامكم- فقلت له: جعلت فداك أين الرّجال؟- أليس عندك رجال يفدونك بأنفسهم؟ أليس عندك رجال يبذلون دونك مهجهم؟ فلم هذا كله؟ أليس عندك مستأجرون يقومون بمثل هذا العمل؟- فقال: ياعلي عمل باليد من هو خير مني ومن أبي في أرضه، فقلت له: من هو؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين وآبائي عليهم السلام كلهم قد عملوا بأيديهم وهو عمل النبيين والمرسلين والصالحين" ٦.