محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٧٤ - الخطبة الأولى
مفارقة وراءها سر
يقول الحديث عن الإمام زين العابدين عليه السلام:" عجبتُ لمن يحتمي عن الطعام لمضرّته، ولايحتمي من الذنب لمعرّته" والحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام:" عجبتُ لأقوام يحتمون الطعام مخافة الأذى، كيف لايحتمون الذنوب مخافة النار؟"، وعن الباقر عليه السلام:" عجبتُ لمن يحتمي من الطعام مخافة الداء كيف لايحتمي من الذنوب مخافة النار".
الأحاديث الثلاثة تصبّ مصباً واحداً، وتقرر هذه المفارقة العجيبة، في حين أن هذا التعجّب يشير إلى سرٍّ وراء هذه المفارقة. الإنسان بعقله الكبير، بحبّه لنفسه، بحرصه على وجوده، بحفاظه على حياته، بسعيه لمصلحته يهتدي لئن يحمي نفسه من الأذى في الدنيا، وهذا جميل، وهذا مطلوب، لكن أين العقل؟ أين عقل هذا الإنسان؟ أين حبه لنفسه؟ أين تطلّعه لخيره؟ أين حفاظه على مصلحته؟ أين شفقته على نفسه؟ وهو يسلك مسلك النار.
وأين سر المفارقة؟
إننا نعرف من شأن الدنيا ما لانعرفه من شأن الآخرة، وإن نظرنا يتركّز على الدنيا وتغيب عنه الآخرة، وإننا ننظر القريب ونعمى عن البعيد، إننا سطحيّون، لاننفذ إلى العمق، لاننظر إلى العواقب، لانقدّر الله، لانقدّر وعد الله ووعيده، ومن هنا كانت المفارقة، وإلا فكانت شفقتنا من عذاب الآخرة أكبر من شفقتنا من عذاب الدنيا، ولكان فرارنا من أذى الآخرة أكبر من فرارنا من أذى الدنيا، ولكانت الأسقام هنا، والأوجاع، والكوارث مذكّراً ونذيرا لما عليه خطر الآخرة.
ولذلك فإن من رأى الآخرة من الأنبياء والمرسلين والصديقين كان همّهم معلّقاً بالآخرة وكانت الآخرة تصرفهم عن الاهتمام بالدنيا، واهتمامهم بالدنيا إنما هو من وحي الرسالية، ومن وحي الواجب، ومن خلال النظر إلى الآخرة.