محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٩٥ - الخطبة الأولى
الزهد يريح القلب والبدن لأن مؤونة الدنيا تخفّ على النفس التي تزهد فيها، فلا يتحمل القلب هما كبيرا من أجل الدنيا. كثير من مشاكل النفس، ومن عقدها، ومن مصارعها إنما يكون بسبب تهويل النظرة إلى الدنيا، وتعظيم النظرة إليها. حينما لاتقنع النفس بشيء من هذه الدنيا، وتطلب فوق حاجتها الكثير الكثير فإن الدنيا بملئها لاتكفي نفسا واحدة. حينما يتحول الطموح إلى طموح دنيوي فإن الدنيا تعجز عن أن تلبي هذا الطموح، وامرءٌ لا يجد ما يلبّي طموحه في تعب وفي شقاء، والنفس لايمكن أن تستريح في ظل الشعور بالحرمان الدائم، ونفس الطامع دائما يستولي عليها الشعور بالحرمان.
وفي الحديث عن الكاظم عليه السلام" إن أصبركم على البلاء لأزهدكم في الدنيا" قرأنا حديثا عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول بأن الدنيا تتقزم في نظر الزاهد بحيث لاتملك أن تضغط عليه الضغط الكبير الذي يهزمه، ومن ناحية أخرى قد تكون المصيبة عظيمة نسبيّا كفقد ولد، وكارثة تأتي على الأهل جميعا كزلزال عظيم يفقد المرء كل أهله وأصحابه وكل ما في يده، فهذا بلاء عظيم من بلاء الدنيا، ويحتاج إلى تحمّل كبير، إلى نفس عالية، إلى نفس تستند إلى ركن شديد غير الدنيا، وتستمد ثقة عالية من مصدر آخر، وتشعر بالأنس في ظل نظرة ثابتة عميقة متجذّرة توصل قلب الإنسان بأقوى الأقوياء، ونفس الزاهد وهي نفس تنظر لله أكثر من نظرها إلى أي شيء، وتغنى في داخلها أكثر من غناها بأي شيء، وتعيش هم الآخرة أكثر من هم الدنيا، وتشعر بالأنس، وبالقوة، وبالثقة من خلال صلتها بالله سبحانه و تعالى، نفس كفوؤة، ونفس قادرة لأن تتحمل مثل المصاب المذكور وهو مصاب مُرّ وثقيل وقتّال ٢.
٤- الزهد وحلاوة الإيمان:
نقرأ" حرام على قلوبكم أن تعرف حلاوة الإيمان حتى تزهد في الدنيا" عن الصادق عليه السلام.