محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤١٧ - الخطبة الأولى
عليه. فجاؤوا حتى رموا به بين يديه بعضه على بعض، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله هكذا تجتمع الذنوب ثم قال إياكم والمحقّرات من الذنوب، فإن لكل شيء طالبا، ألا وأن طالبها يكتب ما قدموا وآثارهم (وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ)".
الرسول صلى الله عليه وآله ضرب لأصحابه مثلا حيّاً وكيف أنَّ الذنوب الصغيرة تجتمع حتى تكبر وترعب، فكانت المسألة مسألة أعواد بسيطة، هذا يأتي بعود خفيف، وذاك يأتي بآخر حتى إذا تراكمت بدت كبيرة وفعّالة، وهكذا الذنوب تبدأ واحدة واحدة من الصغائر حتى تتراكم الصغائر كبيرة، وتجثم على النفس، وتسد منافذ النور في القلب.
" لاتستقل قليل الذنوب فإن قليل الذنوب تجتمع حتى تكون كثيرة".
٢. الصغيرة بداية
قد يستهين الإنسان بأول صغيرة يرتكبها إلا أنه سيجد نفسه من بعد حين أنه أمام كمّ هائل من الذنوب قد اجتمعت لتنحرف بنفسه، ولتمثّل مسؤولية كبيرة عليه أمام الله عزّ وجل.
وما الصغيرة إلا بداية طريق خطير تسلكه النفس متساهلة في أوله حتى تجد ذاتها أنها أوغلت في طريق مظلم قد لايكون لها خلاص منه. يقول الحديث عن الرضا عليه السلام:" الصغائر من الذنوب طرق إلى الكبائر، ومن لم يخف الله في القليل لم يخفه في الكثير" تتجرأ النفس أول ما تتجرأ على الصغيرة وتهون في ناظرها. تهاب من ارتكاب الكبيرة، تتوقف عندها، يعظم عليها أن تقدم عليها إلا أنها قد يهون عليها أن تغشى الصغيرة فإذا غشيت الصغائر وجدت أنه قد هان عليها أن تقتحم الكبائر. إنها مناعة، والمناعة تنقص بالذنب، إنها قوة مقاومة، وقوة المقاومة تنهار عند النفس كلما فقدت هذه المقاومة في موقف من المواقف. انهيار في المقاومة يقود إلى انهيار آخر، وضعف في المناعة يسلك بالنفس إلى خسارة أكبر في هذه القوة التي مما يعتمد عليه الإنسان في استقامته.