محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٧ - الخطبة الأولى
١. يبدأ الدعاء بنداء المعبود الحق من العبد المملوك بالملك الطِلق استكانة وإذعاناً وخضوعاً واستسلاماً، ولكنه ينتقل بعد قليل من خطابه إلى التمسك بعنوان الرب في قوله" .... مِنْ ايْنَ لِيَ الْخَيْرُ يا رَبِّ وَ لا يُوجَدُ إلّا مِنْ عِنْدِكَ، وَ مِنْ ايْنَ لِيَ النَّجاةُ وَ لا تُسْتَطاعُ إلّا بِكَ"" والفرق بين المقامين هو أن المقام الأول مقام المهابة والخشية، والمقام الثاني مقام الاستعطاف والتملق، ومقام المهابة يصوّره عنوان الإله وهو المعبود المطلق، ومقام التملق يوجب التوسل بالربوبية التي تعني التدبير والعناية واللطف والحدب والتكفل بالشأن.
٢. والإمام عليه السلام يبدي خوفه وإشفاقه على نفسه من تأديب الله له بالعقوبة ويطلب من الله عز وجل أن يعافيه من ذلك.
والأدْب على وزن الضرب: تعليم النفس محاسن الأخلاق وفضائلها ورياضتُها عليها. والتأديب مبالغة من الأدْب.
وكما يطلق التأديب على تكميل النفس وبلورة فضائلها بالهداية والتوفيق وإعطاء النعم، كذلك يطلق على العقوبة المؤدِّبة التي تُرجع النفس إلى الوضع الصحيح بمصحح أن العقوبة سبب لذلك.
والأدب في أسلوبه الأول يكون قبل الذنب والمخالفة، ويمكن أن يكون بعدهما، أما هو في أسلوبه الثاني فلا يكون إلا بعد أن تقع النفس في الخطأ وترتكب الذنب.
والإمام عليه السلام فراره إلى الله من الأدب بالعقوبة، وليس من أصل الأدب. وتتم العافية من هذا اللون من الأدب بالعصمة من موضوعه وهو ارتكاب الذنب والوقوع في الإثم، كما تتم بالهداية بعد الذنب والتوفيق للأوبة وإخلاص التوبة من غير درس مؤلم من دروس التأديب بالعقوبة.
٣. والتأديب كله رحمة وإن تطلَّب القسوة في بعض الفروض. والنفس التي لاتؤدبها عقوبات الدُّنيا، ولا تطهِّرها محنها ستواجه عقوبة الآخرة وقد يكون أهونها عقوبة البرزخ