محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٦١ - الخطبة الأولى
تلالٌ تتفاوت، ولكن تفاوتها في تقارب، أما الاقتصاد الرأسمالي فتفاوتاته تفاوتات شاسعة ففيه الجبال الشاهقة، والقمم الاقتصادية العالية، وفيه الوديان السحيقة.
الحالة الأولى حالة طبيعية، يفرضها تفاوت القوى، وتفاوت المواهب والنشاط الشخصي للأفراد والجماعات، فليس من يبذل الجهد الكبير كمن يبذل الجهد الضئيل، أو لايبذل أي جهد، ولايُساوى كسول بجاد، ولايمكن أن ينتج الغبي كما ينُتج الذكي. لكن مع تفاوت الإنتاج بحسب تفاوت القوى يأتي التشريع ليُقيم نظاما اقتصاديا يقضي عل الفاقة، ولاتتحول معه الحياة إلى حياة شاقة في حق فئة من فئات المجتمع، ولايعطي فرصة لفئة أخرى أن تتعملق التعملق الطاغوتي. ولاتعملق في المال إلا على حساب فئة محرومة. لايمكن أن تتعملق فئة اجتماعية تعملقا اقتصاديا كبيرا إلا من سرقة، من نهب، من نظام اقتصادي جائر، من عدم إخراج الحقوق، من مصادرة الثروات في صورتها الطبيعية، وفي حال الإنتاج.
أما إذا عمّ العدل، وكانت القسمة قسمة إلهية في المال فإن جدّ الجاد مقدّر له، وتقدير جدّه لابد أن يعطيه امتيازا فيما أنتجه عما عليه حال الخامل الكسول الذي لايستجيب للتشريع الذي يناديه ببذل الجهد في العملية الإنتاجية العامة. كما لا يبقى فقير مسحوق لأنه لا يقوى على العمل أو لا يجده، أولا يكفيه ما يتيسر له عن طريقه.
نقرأ (وَ لَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ ...) ٤ وراء تقدير المال إلى الحد الذي أراده الله تبارك وتعالى وعدم انبساط الثروة العامة إلى الحد الكبير الواسع حكمة إلهية لأن بسط الرزق بشكل مفتوح يخلق لنا نفسيات منهارة، يغير نفسية هذا الإنسان. هذا الإنسان يعيش محدودية جسمية، ومحدودية عقلية، ومحدودية نفسية. المحدودية الجسمية تفرض عليه تحمّل ثقل خاص، والمحدودية العقلية تصل به إلى خطّ يقف عنده تفكيره، والمحدودية النفسية تجعله يتحمل قدرا من الغنى، يتحمل قدرا من الجمال، يتحمل