محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦ - الخطبة الأولى
تقول الآية الكريمة (بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ) ٣.
فالهوى ميل نفسيٌّ بعيد عن قاعدة العلم، ويترعرع ويزداد ضغطه كلما نُبذ العلم. نفسٌ تهتدي بالعلم، تتمسك به، تستضيء بنوره يقلّ عليها ضغط الهوى. نفس تتخلى عن العلم، تدير بظهرها له، يستحكم فيها الهوى، ويشتدّ نفوذه وطغيانه.
فالهوى طاقة في ذات الإنسان تُقابل العلم والقدرة على التفكّر والتأمّل.
(أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَ اتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ) ٤.
فطريق التبيُّن، وطريق الاستبصار والاهتداء بهدي الله تبارك وتعالى يقابله طريق الهوى. فنفس تستبصر بنور ربها، وتهتدي بهداه، وتستضيء بآياته وبيناته. ونفس أخرى يأخذ بمجامعها الهوى، وتنقاد له، من غير أن تتبصّر، ولا تتفكّر، ولا تستفيد من بيّنة. فنجد أن العلم والتبصّر والاستفادة من البيّنات في جانب، والهوى في جانب آخر.
" الهوى إله معبود، والعقل صديق محمود" الكلمة عن أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام.
فالهوى هو تلك الطاقة المقابلة للعقل. فكلما كان الصوت للعقل خفت صوت الهوى، وكلما غاب صوت العقل كلما اشتدّ صوت الهوى.
(وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ) ٥.
قاعدة هوىً وقاعدة اهتداء بالآيات، استمساك بها. والنفس نفسان، والطاقة طاقتان؛ طاقة هوى، وطاقة استبصار بالآيات البيّنات. نفس تأخذ بالهوى، ونصيب هذه النفس أن يلاحقها الشيطان، أن يلتصق بها. الهوى صديق الشيطان، والشيطان صديق الهوى، والنفس التي تنسلخ من الآيات، تنفصل عن قاعدة التبيُّن، عن قاعدة التأمّل، عن قاعدة الدليل