محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥١٤ - الخطبة الأولى
رجل يُبتلى بالعجز عن التعبير، وبالقصور عن الكلمة المصلحة أحسن حظّاً من رجل يكثر منه الهذر الذي يُسقط قيمته، ويقترب به من النّار.
ثانياً: كيف نكون؟
نقرأ عن رسول الله صلى الله عليه وآله:" إنّ أولياء الله سكتوا فكان سكوتهم ذكرا، ونظروا فكان نظرهم عبرة، ونطقوا فكان نطقهم حكمة" ١٧.
أن نسكت لا لنكون سلبيين، وإنّما نسكت في ذكر لله، في ذكر لقيمة الدنيا، في ذكر لقيمة الآخرة، في ذكر لإنسانيتنا، في ذكر لمصيرنا فذلك من سكوت الصلحاء وأولياء الله.
مطلوب أن نتوفّر على فرصة سكوت تكون للتأمّل والتفكّر والغوص في الأمور الكبيرة. ومطلوب لنا أن ننظر في الآثار، وننظر في الأحداث، وننظر في التقلّبات والتحوّلات لا النظر العابر، وإنما النظر المتأمّل المعتبر.
ومطلوب لنا أن نملك الكلمة، وأن نملك الفكر الذي تكون به الكلمة قادرةً على الإصلاح، وقادرةً على البناء والتّصحيح، مطلوب لنا أن نتوفّر على علم، على حكمة، على قدرة بيان من أجل أن يكون نطقنا الحكمة.
أمير المؤمنين عليه السلام:" إنّ لله عباداً كسرت قلوبهم خشية فأسكتتهم عن المنطق وإنّهم لفصحاء عقلاء، يستبقون إلى الله بالأعمال الزّكيّة، لايستكثرون له الكثير، ولايرضون له الكثير، ولايرضون لهم أنفسهم بالقليل ..." ١٨.
تزدحم الكلمات على ألسن البعض، ويملك قدرةً فائقة على الكلام، وقد يتيه بقدرته هذه، وقد تسوقه الرغائب إلى أن يملك شهرة في الناس. ومنهم من له تلك القدرة ولو أراد من خلال الكلام لا متلك الشهرة، لكن له من صلاح داخله، ومن معرفة ربّه مايمنعه عن كثرة الكلام، ومايجعله يضع الكلمة في مواضعها، ولايتكلّم إلا الكلام الذي يرضي الله تبارك وتعالى.