محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٠٥ - الخطبة الأولى
ليس بين الله عزّ وجل وبين عباده غير العلاقة التي بينه وبين إبليس، وهي علاقة الربوبية من جهة الله، والعبودية من جهة غيره، فمن أعطى من نفسه العبودية الكاملة المطلقة لله كما هو الحق كان من المرحومين عند الله، ومن تمرّد واستكبر وطغى فهو من الملعونين المطرودين من رحمة الله.
ومن تمام الكلمة" ... فمن ذا بعد إبليس يسلم على الله بمثل معصيته؟" عدل الله يقتضي أن تُحذف كل عبادة إبليس وهي التي استمرّت دهرا طويلا بموقف واحد من التكبر، ويقتضي أن نتكبر العمر كلّه ويقربنا الله إليه؟! عدل الله لايفرق التفريق الظالم بين امرئ وامرئ، ولا بين موجود وموجود آخر.
" فاحذروا عباد الله عدو الله أن يعديكم بدائه، وأن يستفزّكم بندائه" وهو نداء الاستكبار، نداء الطغيان، نداء التمرد على الله عز وجل، وعلى أمره إذا جاء على خلاف المشتهى الرخيص للنفس، وعلى خلاف ماتتحدث به النفس الأمّارة بالسوء لصاحبها.
ثالثاً: في كلّ الطبقات
وعن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم:" إياكم والكبر، فإن الكبر يكون في الرجل وإنّ عليه العباءة" ٦.
الكبر لا يخص طبقة الأغنياء، ولا طبقة الأقوياء، الكبر داءٌ يندس إلى نفس العبد من أي طبقة كان، فالناس المسحوقون المكدودون المجهدون يُمكن أن يدخل بعضهم الكبر. قد يعني الحديث أن هذا الشخص ليس عليه إلا عباءة، أو أنه يلبس العباءة الخشنة، ولكنه يحمل نفسا استكبارية متعالية بدون حق.
وكما أن الغني يؤخذ باستكباره فإن الفقير يؤخذ باستكباره. وقد يكون الاستكبار من الفقير أقبح، فإذا كان للغني ما يغريه بأن يستكبر وأن يستعلي فإن ضغط هذا الشيء غير موجود في نفس الفقير.