محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦١١ - الخطبة الثانية
قال تعالى: (وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ وَ لكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) ١٦. نفسيتان ووضعان خارجيان كل منهما يجانس النفسية التي انطلق منها، ونبت على أرضيتها.
ويقول عز وجل في آية أخرى: (ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ...) ١٧.
وقول آخر للكتاب الكريم: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ) ١٨.
إنّ هناك تجانساً وتسانخاً بين الشعور والفكر ١٩، وبين السلوك والشعور، وبين النتيجة والعمل. فالرؤية الفكرية الصحيحة القويمة المتركّزة يقوم عليها شعور مماثل، والشعور الحيّ الكريم الزكيّ الطيّب ينبت عملًا كذلك، وما كان من العمل صالحاً طيّباً رضيّاً كانت نتائجه عالية طيبة نافعة رضيّة.
وإذا كان الفكر خاطئاً سقيماً منحرفاً كانت المشاعر النابتة في ظله سقيمة منحرفة هابطة آسنة، فجاء العمل الناتج من وحيها قبيحاً خبيثاً ضارّاً متسافلًا. ونتيجة هذا العمل من جنسه، فلا تكون إلا خسّة وسقوطاً، وتعْساً وشقاء.
ورؤية فكرية مقلوبة تكُبُّ نظر الإنسان إلى الأرض وهي رؤية الحضارة المادّية اليوم للكون، والحياة، والإنسان، والحاضر، والمصير، والسعادة والشقاء تختلف كليّاً في ما تنبته من شعور، وما تُولّده من عمل، وما تؤدّي إليه من نتائج عن رؤية قويمة سليمة فسيحة تدرك وحدة السماء والأرض، والكون كلّه، والإرادةَ الواحدة القادرة الفاعلة المطلقة وراء الوحدة الكونيَّة، وتغير الأشياء، واستمرار الوجود والحياة، وقيام التدبير، ودقة التقدير، وشمول الحكمة، ومضيّ الأقدار وتناسقها، وانسجام المسارات، وإفضائها إلى غاياتها التي تُنهي إلى الصورة الكونيّة القائمة وما رسم لها.