محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٠٤ - الخطبة الأولى
عليا، تلك هي كبرياء الله، تلك هي عظمة الله فهي الجمال كله، وهي الصدق كله، وهي الحق كله، والحق لا يُرمى بالقبح، الحق جميل، والعدم هو القبيح.
وسر الذم في تكبر الإنسان أنه وهم، وأنه خيال، وأنه كذب. أما كبرياء الله فلما كانت حقا وصدقا وعدلا فهي الجمال في نفسه. والله عز وجل وهو المتفرد بالكمال هو المتفرد بالكبرياء.
" الكبر رداء الله، فمن نازع الله شيئاً من ذلك أكبّه الله في النار" ٣.
ثانياً: انحراف يقود إلى الانحراف
الكبر صفة انحراف في الإنسان لا تبقى عند حدها، ولا يجمد انحراف النفس عليها، إنما تقود إلى انحرافات خطيرة.
(فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ) ٤ الاستكبار يقود إلى الكفر، إلى جحد الحق، إلى التمرّد عليه، إلى مناهضته مع علم النفس بالحق. يصعب على النفس المستكبرة أن تذعن للحق إذا كان الحق ليس مما يلتقي مع مصلحتها، ولا يلقتي مع كبريائها.
(قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ) ٥.
فلا موقع في الجنة على الإطلاق للتكبّر، والتكبّر يُحرم من الجنة، فكما طرد من الجنة فهو يَحرِم من الجنة. التكبر طرد إبليس من الجنة، وهو يحرم أبناء آدم من الجنة.
" فاعتبروا بما كان من فعل الله بإبليس إذ أحبط عمله الطويل، وجهده الجهيد أي المتعب المرهق- ... عن كبر ساعة واحدة" فليعبد أحدنا ربه كل عمره، ولينتهي هذا العمر بلحظة استكبار واحدة فهي كافية لنسف كل حسناته، وإحباط عمله. وكل العبادة الحقة أن تذعن النفس بأنها مملوكة لله بصورة مطلقة، ولا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا وأن ما بيدها ليس لها، وليس بها، ولا تملك له بقاءً لحظة.