محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٤٦ - الخطبة الأولى
فما معنى هذا الإضلال؟
هذا الإضلال إما بمعنى خذلان العاصي؛ بأن لا تأتيه عناية خاصة من الله تنقذه إذا تمادى في معصيته، فمن تمادى، وأصرّ، وتولّى، واستكبر، وطغى قد يصل إلى درجة أن لايستحق تنزّل رحمة العناية الخاصة من الله مما ينقذه، هذا الخذلان يُسمّى إضلالا.
أو أن الإضلال بمعنى إفاضة السببية، فكما أن للسمّ أثراً، وللغذاء أثرا، وهما مختلفان، فكذلك للطاعة أثرها، وللمعصية أثرها، وهما مختلفان، للطاعة أثر في النفس والروح بنّاءة مصلحة مصحّحة، مقوّية، هادية، تُعطي متانة، وتعطي استعدادا أكبر، وقدرة أكبر على المقاومة، وعلى الثبات على الطريق. هذا الركوع، هذا السجود، هذا الذكر حين يأتي كما أراد الله يبنينا، ويهدينا، ويصحح داخلنا، ويرتقي بذواتنا.
وللمعصية أثر على النفس والروح هدّام، مضلّ، مفسد. كلما عصى الإنسان كلما فقد من هداياته، وكلما فقد من قدرة التبصّر في داخله، ومن قدرة الاستقامة. النفس لها قدرة على الاستقامة، على النهوض بالتكليف، تكبر هذه القدرة مع التزام خط التكاليف، وتهبط هذه القدرة مع الانحراف عن خط التكليف، فمع كل معصية يكبر الشر في النفس، ويضمر الخير، ومع كل طاعة يكبر الخير في النفس، ويضمر الشر.
هذه الإفاضة السببية بجعل الطاعة سبباً يستتبع مسببه، وبجعل المعصية سبباً يستتبع مسببه. ونُسمّي هذه السببية في حالة ارتكاب المعصية واستتباعها أثرها السيء على النفس والروح والقلب إضلالًا.
الاحتماء بالله وبكتابه:
(ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) ٢١ احتموا بكتاب الله، احتموا بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله، خذوا ثقافتكم من هذين المنبعين، اعرضوا عن الثقافات الأخرى، اعرضوا عن الأفكار المستوردة، استقوا فكاركم، ومشاعركم، وهداياتكم من