محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦١٢ - الخطبة الثانية
لرؤية الإنسان نفسه حرّاً مستقلا لا قيد عليه على الإطلاق في هذه الحياة نتائج وأوضاع نفسية وعملية منها الغرور والبطش والسلب والنهب وارتكاب كلّ الوسائل وإن كانت قذرة ضارة بالغير في طريق ما تشتهيه نفسه، وتتعلق به أحلامه.
ولرؤيته نفسَهُ عبداً للغير من الطواغيت آثار نفسية وعمليّة تجعله أداة للظلم، وآلة للإفساد في الأرض، وحرق الحرث والنسل، وللإخافة والرعب والفتك.
أما لو رأى نفسه عبداً لله الكامل الذي لا يبلغ كماله شيء، العليّ القدير، اللطيف الخبير، الرؤوف الرَّحيم، الشديد للعقاب، الآمر بالخير، الناهي عن الشر، ورآها مسؤولة أمام الله سبحانه و تعالى عمّا ينطوي عليه داخلها من فضيلة أو رذيلة، وما يصدر عنها من خير أو شر لأنها مُلّكت خيارها في هذا الاتجاه وذاك الاتجاه غير خارجة عن سلطان الله، ولا متجاوزة لمشيئته، أو مستغنية عن إرادته، أو فارّة من قدرته لكان له من الشعور ما زكى، ومن العمل ما صلح، ومن النتائج ما طاب ونفع، وما صدر عنه أمر ضار ولا خبيث.
والناظر للدّنيا على أنّها كلُّ فرصته، ولا امتداد له بعد مُهلتها إما أن يصاب باليأس والإحباط مما يصرفه عن النشاط في الحياة، والرغبة في العمل، والإسهام في البناء، والتمتع بالطيبات، وإمّا أن يُستنزف للذائذ الدنيا حتى تهلكه، ويغالب عليها إلى حدّ الجنون، ويركب من أجلها كلّ محرّم، ويستبيح كل محظور.
وعند النظر للدنيا على أنها دار للإعداد، والآخرة دار الخلود، وأن في الدنيا طيبات وخبائث، وأن ما يمنع من خير الآخرة خبائث الدنيا، أمّا الطيّبات فمأذون فيها، ومهنّأ تناولها، وإعمار الأرض بالخير وللخير مطلوب لا تكون الدنيا عنده فاتنة، ولا مهملًا أمرُها، وإنما يكون الدور فيها للبناء والخير والإصلاح والصلاح.
ومن أخذ بالإسلام ورآه لا يقبل التفاهم ولا يؤمن إلا بالسيف، ولا يُعرف منه إلا العنف، وإباحة الإرهاب دمّر إسلامُه الحياة، وأسقط قيمة الإسلام الصحيح في النفوس.