محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٥٠ - الخطبة الأولى
هو تعهد من الله تبارك وتعالى (وَ كَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَ إِيَّاكُمْ ...) ٣ (وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها ...) ٤ لكل ذي رمق قوت." انظروا إلى النملة في صغر جثتها، ولطافة هيئتها لاتكاد تنال بلحاظ البصر، مكفولة برزقها، مرزوقة بوفقها، لايغفلها المنّان ولاحرمها الديّان، ولو في الصفى اليابس، والحجر الجامس". وفي كلمة أخرى لعلي عليه السلام:" فهذا غُراب، وهذا عُقاب، وهذا حمامٌ، وهذا نعام دعا أي الله سبحانه كل طائر باسمه، وكفّل له برزقه، عياله الخلائق، ضمن أرزاقهم، وقدّر أقواتهم".
مع هذه النصوص نتيقن بأن هناك تعهداً صادقا من الله، ووعدا غير مخلوف بتوفير رزق كل حي كان يملك شيئا من الحيلة بموهبة من الله في سعيه لرزقه أو لم يكن يملك أي حيلة كنملة عمياء في الليلة الظلماء على الصخرة الصمّاء فإن كل أولئك لهم رزق مقدور، ولا رزق إلا بأن يصل صاحبه، أما الرزق غير الواصل فلا يكاد تعنيه طائفة من النصوص، وإن كان هناك نوع من الرزق المكتوب لإنسان يغصبه إنسان آخر.
هذا التعهّد الصادق لابد أن يطمئن، لابد أن يهدئ النفس، لابد أن يعيش معه الإنسان شعورا معتدلًا بحيث لايستنزف الهلع على الرزق، والإمعان والإيغال في طلبه حياة المرء، وكل تفكيره بحيث يعيش هذه الحياة من أجل جزئه الأسفل، مهملا روحه، مهملا عقله، مهملا مستقبله الكبير وهو المستقبل الأخروي.
الهلع على الرزق قد يجرنا إلى حياة الديدان، وقد يجرنا إلى حياة الحشرات بحيث لاينشد لنا تفكير، ولايتجه لنا شعور إلا للقمة والكسوة والمأوى، وحين تستوعب هذه الحاجات كل تفكيرنا، وكل همّنا، وكل أيامنا وليالينا لاتفترق حياتنا عن حياة دودة أو صرصور ونجدهما في القذارات.