محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٩٦ - الخطبة الأولى
أما بعد فهذه عودة إلى موضوع الكلام:
أولًا: لافقه ولاحكمة
فاقدٌ للحكمة، ولايفقه الحياة، ولامراعاة دقيقة عنده لدينه من تكلَّم في ما لايعنيه، ولايرتبط بهدف واضح ينفعه. فمن جرَّته الظروف والمناسبات للكلام بلا قصد معقول، أو استهوته المجالس لأن يتكلم بكل مايحضر خاطره، ومن انطلق لسانه في القضية التي لاتهمّه دلّ منه ذلك على قلة فهم، وفقد رويَّة، وافتقار للحكمة.
عن الرسول (ص):" من فقه الرّجل قلّة كلامه في ما لايعنيه" ٢.
يريدنا الإسلام أن نفقه أنفسنا، أن نفقه حياتنا، أن نفقه الأمر الكبير والأمر الصغير، أن نكون على فهم وافر، وعلم غزير كلّما أمكن. يريدنا حكماء، رزناء، يضعون كل شيء في موضعه، ويصيبون بالفعل، وبالكلمة مواقعهما.
ولم يفقه الأمور كما ينبغي، ولم يعرف وظيفة الكلام كما هي من أطلق للسانه أن يقول مااشتهت نفسه. وإنّه لمما يثقل كاهل العبد، ويسيء موقفه بين يدي ربّه أن يكثر هذره، وكلامه في مالايعنيه.
نحن في أفعالنا وأقوالنا نتعامل مع أعظم عظيم، وأكبر كبير، وهو جبَّار السماوات والأرض، والذي لاغنى لأحدٍ عنه، ولامفر لأيٍّ كان منه، فلينظر أحدنا كيف يرغب أن يكون كتاب عمله وقوله عند ربه، وهو كتاب لايغادر صغيرة ولاكبيرة إلا أحصاها ٣.
عن الكاظم عليه السلام:" مرّ أمير المؤمنين عليه السّلام برجل يتكلّم بفضول الكلام، فوقف عليه، ثمّ قال: يا هذا إنّك تُملي على حافظيك كتاباً إلى ربّك فتكلّم بما يعنيك ودع ما لايعنيك" ٤.
نحن نُملي على حافظين ملازمين لنا يكتبان منا كل كلمة، ويرصدان كل لفظ، وكتابهما لايضيع منه شيء من كلامنا، ولايُنسى ويبقى حتى نلقى الله، إلا أن يأتي مايمحو