محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٤٩ - الخطبة الأولى
في الوقت الذي يكون على أخي أن يستر عيبي، وعليّ أن أستر عيوب الآخرين، إلا أنه عليّ أن أستقبل العيب يُنبهّني عليه أخي استقبال ترحيب، استقبال هديّةٍ محبوبة. إذا أهدى لي أخي كتاباً قدّرتُ هديّته، وقد يهدي أحدنا لصاحبه مالًا فيفرح بهديته، إلا أن هدية العيب يجب أن تكون أكبر في النفس، لأنها ستصلح لك أغلى ما عندك وهي نفسك، وإذا سلمت نفسُك فليعطب الشيء الذي في يدك فليس ذلك مهما كل الأهمية.
" ليكن أحبّ النّاس إليك من هداك إلى مراشدك، وكشف لك عن معايبك" ١٠. لا تستثقل، بل اتخد من مُرشدك محبوباً.
" من أبان لك من عيبك فهو ودودك، من ساتر عيبك فهو عدوُّك" ١١. من ساترك أنت، يعني من لم يكاشفك بعيبك، من لم يدلّك على عيبك فهو يريد بك مكر سوء، يريدك أن تسقط بالكامل، يريدك أن يصل بك أمر الانحدار إلى أنك لا تستطيع بعد ذلك قومة ولا نهوضاً.
والآية الكريمة تقول، وهي تفتح لنا باباً آخر من أبواب هذا الموضوع: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) ١٢.
الهمزة كثير الطعن على غيره بغير حق، العيّاب لغيره بما ليس بعيب، واللمز: العيب، فهذا كثير الطعن على الناس بغير حق، عيّاب لهم ومن غير سوء.
وقد يُقال بأن بينهما فرقا، وأن الهمزة الذي يعيبك بظهر الغيب، أما اللمزة فهو الذي يعيبك في وجهك.
هذا دور تخريبي، دور إفسادي، لا يهدم بنايات، لا يحرق مزارع، لا يسرق متاجر، وانّما يهدم نفوسا، يحطم شخصيات، ينسف كيانات شريفة، يسقط الثقة بين الناس.
كلما كان رمز وكلما كان قدوة ساءه أن تكون في المجتمع قدوة صالحة، وأن يكون في المجتمع رمز خير فحاول أن ينال منه وأن يحطّمه.