محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٩٧ - الخطبة الأولى
بشهادة صغيرة، بابتسامة، بمنصب، وأي ثمن تفترضه بإزاء تلك الأمور المعالي، وتلك القضايا الضخام فلن تجده إلا ثمن بخساً.
نبيع مقدساتنا، بثمن بخس، ونعطي للدنيا الثمن الضخم. عقلي، وجداني، ديني، شرفي، كرامتي أُعطيه كلّه من أجل وظيفة، أعطيه كلّه من أجل قطعة أرض، أُعطيه كله من أجل دونية من دونيات الدنيا.
علينا أن نعرف الإسلام، علينا أن نعرف الله، علينا أن نعرف أنفسنا حتى لانبيع ذلك بثمن بخس، وكل الدنيا ومتعها ولذائذها ثمن بخس حين تكون ثمنا لشيء من تلك القضايا العظام.
(وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَ كانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) ٦.
وتقول الكلمة عن أمير البيان، وأمير الحكمة، وأمير المؤمنين عليه السلام" لاتزهدن في شيء حتى تعرفه"، وتقول الكلمة الأخرى عنه عليه السلام" يسير المعرفة يوجب الزهد في الدنيا".
ماذا أريد؟ ماهي أقصى أمنية لي في هذه الحياة الدنيا؟ أن أبني جسدا ضخما؟ وأن تكثر ممتلكات هذا الجسد؟ أمنية ساقطة. بعد حين طال أو قصر، وإذا بالعمارة التي صرفت من أجلها الحياة أعني عمارة الجسد جثة هامدة لا حراك فيها، وإذا بها جيفة نتنة، وإذا قد تلخصت الحياة، وتلخصت حركة الفكر، وتلخصت كل الإنجازات، وتلخَّص كل الجهد في هذه الخاتمة وهي أن نتج من خلال كل ذلك جثة هامدة، وجيفة نتنة.
حين أعرف قيمة الحياة الدُّنيا لا أحمل همها كثيرا، وإذا حملت لها هما فإنما أحمل هذا الهم من خلال رؤية الآخرة. جاهدوا في الحياة، اكسبوا، غالبوا على الدنيا، اعمروا الأرض، أشيدوا البنايات ولكن كل ذلك من أجل الله، من أجل بناء الروح، من أجل بناء الذات الإنسانية، من أجل القلب السليم، من أجل العقل الراقي، من أجل النفس الطاهرة. لا