محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٥٨ - الخطبة الأولى
اللهم صل وسلم على حبيبك المصطفى محمد بن عبدالله خاتم انبيائك ورسلك وآله الطاهرين وعلى جميع الأنبياء والمرسلين الذين اخترتهم على العالمين وملائكتك المسبحين يا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين.
[السكر بمعناه الأعم]
أما بعد أيها الأعزاء من المؤمنين والمؤمنات فالحديث عن السكر بمعناه الأعم: صحيح أن عظمة الانسان في عقله، ولكن لا عظمة لانسان في عقل مخمور مغمور، لأن ما ينفع من العقل هو تفكيره الصائب، وادراكه الدقيق، وما لم يكن العقل حاضرا فاعلا لا يدرك الادراك الدقيق ولا يفكر التفكير الصائب. والسكر كما في اللغة حالة تعترض بين المرء وعقله، فهي حالة عازلة للعقل، معطّلة له عن دوره، مسلمة للمرء لأخيلته وأوهامه وأحلامه. وكلما وقع الانسان في هذه الحالة كان في حكم الفاقد لعقله وكان خاسرا لما به عظمته، فحقّ أن يسقط، وحقّ ان يُحتقر. وكلما طال من انسان سكره كلما بعد عن مستوى انسانيته، وانحدر عن طريق الغاية التي أهّله إليها عقله، وكان من شرط بلوغها احتفاظه بدقة ادراكه وصحة تفكيره.
وسكرة العقل منها ما يكون حاجزا له عن حقائق الحسّ والمعنى، ومنها ما يحجبه عن ادراك الحقائق البعيدة الكبرى وإن تأتى له أن يدرك الحقائق القريبة التي تساعده على الاستفادة من متع هذه الحياة، وتجنب عدد من اخطارها.
وسكرة تتسبب فيها الخمرة وما شابهها تظهر للعيان، ولا تخفى على الرائي العادي آثارها، وسكرة تأتي من أسباب أخرى إنما يرى آثارها أهل البصائر.
ولنقرأ نصوصا هادية في النوع الثاني من السكر الذي يحول بين المرء وبين أن يرى ربه، وبين ان يرى ذاته، وبين ان يفكر في مصيره، وبين ان يشعر بقيمة انسانيته: