محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٣٥ - الخطبة الأولى
فيتحصّل لنا بإضافة الحديثين الأخيرين إلى باقة الأحاديث السابقة أنّ العمل المستحب الأفضل فيه أن يُؤتى به سرّا، أما عمل الفريضة فإن الأفضل فيه أن يؤتى به علناً ولكن بعيدا عن الرياء والتظاهر.
الإسلام لايُراد له أن يكون حبيس الزوايا، متقوقعاً في البيوت، وفي الإعلان بالفريضة تركيز للفريضة في عقول ونفوس أجيال شابّة، ونشرٌ للشعائر الإسلامية، وتقوية لنفوس الضفعاء، وتشجيع على الطاعة، وفتح فرصة لمحاسبة من يتهاون في الواجبات، ولهذه الخلفية وغيرها من أسرار الحكم عند الله تبارك وتعالى كان الإعلان للواجبات مطلوبا.
ولأن الإنسان عليه أن يختبر ولاءه لله، ومكانه التوحيد في نفسه، وإخلاص وجهه لربّه تبارك وتعالى كان عليه أن يختفي عن أعين الناس في مساحة كبيرة من العبادة وهي مساحة المستحبات لأنّه إن وجد من نفسه أنّه لاينشط في العبادة إلا أمام الملأ عرف من نفسه أنّ التوحيد في داخله يُعاني من نقص، ولايُربّى الإخلاص لله تبارك وتعالى في نفس العبد كما يُربّى في حال السّرّ في ممارسة العبادة، وإن كانت هذه الممارسة في العلن تعني مجاهدة كبيرة على طريق الإخلاص، وأن الإنسان إذا نجح في توحيد الله في علنه فإنّ الأمر في التوحيد في باب السّرّ أسهل.
والمساحتان مساحتا اختبار للنفس والمطلوب واحد وهو أن يتأكّد التوحيد عند العبد، وأن ينصرف بوجهه إلى وجه ربّه الكريم لاغيره.
ولنطلّ إطلالة سريعة على موضوع آخر هو موضوع الزكاة بمعناها الوسيع.
هنا حديث عن الزكاة بمعناها الواسع، الذي جاء فيه أن لكل شيء زكاة، وهي عطاء تفرضه النعمة ويحتاجه صلاح الأوضاع، وسلامة المجتمع، وتقدّم الحياة، وفيه نمو النعم، وامتداد الخير، وطُهر النفس، وسموّ المعنى، ويقظة الضمير، وربح الآخرة.