محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٨ - الخطبة الأولى
التي لاتقاس إلى آلامها وغصصها عقوبة الدنيا، وتكون العقوبة في الآخرة للتطهير وتنقية الروح الملوّثة بآثار الذنوب والمعاصي، ولاتكون للتوبة كما في عقوبة الدُّنيا التي منها ما يكون هداية ومنها ما يكون تطهيراً.
٤. والجزاء المؤلم على الإثم في الدنيا قد يكون بالعقوبة، وقد يكون بالإمهال والإملاء. والأول وإن قسى إذا أرجع العبد إلى ربه رحمة كبرى بالقياس إلى الثاني إذا زاد البعيد عن الله بعدا، وضاعف الذنب وأغرى المغرور بالتمادي في الخطيئة، وهذا ما يلتفت إليه الدعاء الشريف في قوله" وَ لا تَمْكُرْ بي في حيلَتِكَ".
ومكر الله بالعبد لايأتي ظلماً، ولايكون ابتداء، وإنما يتم جزاء وفاقاً حيث يعمل المذنب على إسقاط نفسه من عين ربه، ويُفقِد ذاته أهلية الرحمة بالهداية، وأهلية الرحمة بالعقوبة بتماديه في الإدبار عن الله والطغيان والعناد والاستكبار غير آبه بكل ما يرى من آيات، ويوافي في حياته من دروس.
وكم من عبد آثم يقوم من مصيبته ليعود حالًا إلى جريمته، ولاينتهي من إثم حتى يدخل إثماً آخر، ويواقع الخطيئة تلو الخطيئة، ويجمع الذنب إلى الذنب بلا أوبة ولا توبة، ويتخذ آيات الله هزواً، ودروس القدرة والغضب الإلهي في ماله ونفسه وأهله لعباً. ومثله قد يمهل وتدر عليه النعم ليزداد بسوء اختياره إثماً، وينزل في النار دركاً.
٥. وتُختتم الفقرة بشعور توحيدي خالص وفرار عظيم إلى الله، ولواذٍ حارٍ به، ولجأ لاهث طلباً لخير الأدب الكريم، وكمال النفس، واستتمام الفضائل الخلقية العالية، والتحلّي بمكارم الصفات، والنجاة من كل رذيلة، ومن مواجهة للعقوبة بل من أصل استحقاقها، والتورط في الذنب الموجب لها.