محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٩٠ - الخطبة الأولى
وإليك وقفة سريعة مع عدد من النصوص الواردة عن أهل العصمة عليهم السلام في موضوع الكسب والحث عليه في الإسلام:
تقول الرواية عن الرسول (ص):" ما أكل أحد طعاماً قطّ خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإنّ نبي الله داوود كان يأكل من عمل يده" ٢.
وليس معنى عمل اليد هنا فيما يذهب إليه فهمي هو العمل المباشر لليد، وإنما عمل يَدَك هنا في مقابل عمل يد غيرك. المطلوب أن تأكل من عرقك لامن عرق الآخرين، من إنتاجك لا من إنتاج الآخرين، سواء كان هذا العمل عمل يد أو عمل عين أو عمل فكر أوعمل أي جارحة من الجوارح الصالحة للعمل.
" أوحى الله عزوجل إلى داوود (عليه السلام): إنك نعم العبد لولا أنك تأكل من بيت المال ولا تعمل بيدك شيئا، فبكى داوود (عليه السلام) أربعين صباحا فأوحى الله عزوجل إلى الحديد: أن لِن لعبدي داوود، فألان الله عزوجل له الحديد فكان يعمل في كل يوم درعاً فيبيعها بألف درهم، فعمل ثلاثمائة وستين درعاً فباعها بثلاثمائة وستين ألفا، واستغنى عن بيت المال" ٣ وهو من كسب الغير. وربماكان داوود (ع) لوظائفه التي تشغل وقته مضطرا للأكل من بيت المال، فأحبّ الله عزوجل له أن يأكل من كسب يده ويربأ عن الأكل من بيت المال وإن كان ذلك من الحلال له.
فنرى أن المقابلة هنا هي مقابلة بين الأكل من كسب الشخص أو الأكل مما يكسبه الآخرون وإن كان بطريق حلال. فالمطلوب في الإسلام أولًا أن نأكل من كسب أيدينا ما استطعنا.
على أن عمل اليد المزهود فيه عند كثير من الناس وهو ممارسة المهن من مثل مهنة النجارة والحدادة وما شابههما هذا العمل يشرفه الإسلام، ويرتفع بمستواه مادام يقصد به حفظ ماء الوجه، ويرتفع مستوى العمل إلى حدّ العبادة إذا قصد به وجه الله الكريم.