محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٢ - الخطبة الأولى
ألم تكن الآيات كافية؟! والبينات وافية؟! والحجج كثيرة؟! والبراهين غفيرة؟! والعظات وفيرة؟! والدروس بليغة؟! بم أجابوا ربهم، وبم نجيب؟! وأيَّ مفر وجدوا، وأي مفر نجد؟! وبم دفعوا عن أنفسهم، وبم ندفع؟!
الآيات تامّة، والبراهين قائمة، والعظات جمَّة، والعبر وافية.
يقول عليه السلام كما في الخطبة نفسها" جعل لكم أسماعاً لتعي ما عناها لتحفظ ما همّها-، وأبصاراً لتجلو عن عشاها". وفي السياق نفسه" وقدّر لكم أعماراً سترها عنكم فمتى ينتهي العمر؟ لا تعلم-، وخلَّف لكم عبراً من آثار الماضين قبلكم من مُسْتَمْتَع خَلاقهم ما كان يُستمتع به من نعم الماضين، تقوم عليه آثار فينا من ماضيهم-، ومُستَفْسَح خناقهم. أرهقتهم المنايا دون الآمال، وشذبهم أي قطعهم عنها تخرُّم الآجال".
نعم، كان لماضين سعة من دنيا، ومدد في عمر، وحول وطول، وقد خلَّفوا من ورائهم لذلك آثاراً، وأقاموا عليه مما بنت أيديهم دليلًا لكنَّ مناياهم مع ذلك لم تبقهم كما يؤمِّلون، ولم تترك لهم أن يُتّموا ما كانوا يرجون، وتخرُّمَ الآجال وانقطاع المدة قد حال بينهم وبين ما كانوا يشتهون. فمن كان منهم أملُه في الدنيا، وعمله لها فقد خاب ما أمّل، وخسر عملًا، فما يغني زرع وصناعة وبناء بعد موت لمن كان عمله لغير الله؟! وما يُجدي جاه وشهوةٌ لجثة هامدة في قبروعظام أو رميم؟ وماذا يُعطي من جمال أو جلال وطهر ورَوْح ومسرة وطمأنينة ورضا من كلمات إطراء تجري على الألسن لروح غادرت هذه الحياة، فعلِمت أن ليس لها من قدر عند الله، وأن ليس يُغني عنها منه شيء، وأن وزنه الحق، وما يقوله الآخرون من دون ذلك باطل؟!
واسمعوا أيها الشباب، ويا أهل الصحة والقوَّة، والغضارة والنضارة والجمال من كلمات أب الحسنين عليه وعليهما السلام في الخطبة ذاتها" فهل ينتظر أهلُ بضاضة الشباب