محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤١ - الخطبة الأولى
حسرة، وعمل السوء عاقبته النار، والنار شقاء للبدن، وشقاء للنفس، وشقاء للروح، وهو شقاء لاتحيط به تجربة الحياة، ولا تبلغه التصورات فيها.
والحياة مليئة بالتجارب فلنتعلم منها، والفرص تمرُّ مرَّ السحاب فلا نهملها، وقوافل الخلق التي عبرت ممر الدنيا لاتُعدُّ ولاتحصى فلنتعظ بها، وقد عُمِّر أناس، وغمرتهم النعم، وطابت لهم المعايش، وغرقوا في اللذات. ومرّ أقوام كانوا على علم من علم هذه الدنيا، وفهم بأمورها، وقامت عليهم الحجة، وأُفسح لهم في المهلة إلا أنهم نسوا حظّاً من الآخرة فباغتهم الأجل ولا زاد لهم من عمل صالح فذهبت حياتهم بلا ربح مقيم، ولا نتيجة يُعبأ لها. وحيث يكون المنقلب سيئاً تكون نعم الدنيا نقما، وخيرها وبالًا.
ولنسمع إلى أمير المؤمنين عليه السلام في تذكيره وتحذيره في النهج من الخطبة الثالثة والثمانين (٨٣)" عباد الله أين الذين عُمِّروا فَنَعِموا، وعُلِّموا فَفَهِموا، وأُنظِروا فلهوا، وسُلِّموا فنسوا؟! أُمهلوا طويلا، ومُنحوا جميلا، وحُذروا أليما، ووعدوا جسيماً.
احذروا الذنوب المورِّطة، والعيوب المسخِطة" انتهى المقتبس من كلامه عليه السلام.
لا الذي عُمِّر بقي، ولا الذي نُعِّم دامت له لذائذ نعمته، ولا الذي عُلِّم وفُهِّم ما يُصلِح به حياته خلّده علمه وفهمُه، وأنقذه من يوم منيته.
وكم هم الذين أُنظِروا فضيَّعوا؟! وأُمهلوا فلهوا ولعبوا؟! وكانت المهلة للتدارك، والإنظار للانتفاع.
وكم هم الذين أُعطوا القوة، وأُعفوا من الأسقام، وعظمت بيدهم الفُرصة، وكانت العاقبة الغُصة حيث لم يضعوا القوة مكانها، ولم يستعملوا النعم استعمالها، ولم يعرفوا للصحة قيمتها، فيستعينوا بها على كسب الآخرة، وربح الأبد؟!
ألم يُحذّروا من جبار السماوات والأرض ونحُذّر أليماً؟! ألم يوعدوا من الملك الحق ونوعد جسيماً؟!