محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥١٠ - الخطبة الأولى
كمال للذات.
لا يمكن لذات انسان صارت بمستوى القرد أن تشعر بالمتعة المعنوية الفائقة ولذة الكمال والمعرفة والهدى والسمو والقرب الإلهي المتوفر لوليّ أو نبيّ من أهل الذوات المتعلقة بالقدس الإلهي والقلوب المشغولة بذكر الله.
أتجدون أن انسانا هبط في نفسه إلى مستوى نفس القرد، هبط بمشاعره، بتفكيره، بطموحاته، بهدفه، بسلوكياته إلى مستوى القرد، أتجدونه أهلًا لأن يتلذذ تلذذ الأولياء؟ أن يشعر بالمعنوية، وأن يشعر بالسمو وبالقيمة الذاتية، كما يشعر عبد صالح في الأرض؟
والتدسية هي إخفاء وقسر الشيء أن يدخل فيما يضيق عنه، فكيف نتصورها في حق النفس؟ قابليات النفس، قابليات الرقي واستعدادات العلووالطاقات ومواهب الهدى تخفى وتدسّ وتقهر على الإختفاء في النفق الضيق المظلم الذي لا تطيقه النفس بفطرتها المهدية العاشقة للكمال وهو نفق من جهل وعناد ومكابرة وخلود للارض والتصاق بالطين وظلم وطغيان وفحشاء وعديد من منكرات، إنها عملية حشر للنفس، في ما لا يتسع لتطلعها وطموحها ومستواها حسب ما عليه كنوز فطرتها وهداها وشوقها لكمالها الواقع على طريق سعيها لربها الكريم سبحانه وتعالى.
ولنقف مع النفس قبل تلوّثها في شعورها إزاء الأفعال الكريمة الطاهرة وإن كانت مكلفة للبدن، والأفعال الخبيثة الباغية وإن كانت فيها متعته.
هذه النفس قبل تلوثها وهي في نقاء فطرتها، حين تقدم على فعل من الأفعال الكريمة الطاهرة المرضية لله سبحانه وتعالى، ماذا تشعر؟ قد تشعر بكلفة الصعود التي ترهق البدن، لكنها في نفس الوقت تشعر باللذة، تشعر بالسمو، تشعر بالكرامة، تشعر بأنها لا تخسر وإنما تربح.
لا يمكن أن يقال لنفس تقدم على الصلاة لأول مرة وقبل تلوّث فطرتها، أنها تعاني