محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٧١ - الخطبة الأولى
ب- ركونٌ بالكاملِ إلى المادة واحتماءٌ بها إلى حد الوهم، وفوق ما تطيق حتى ليطلبوا الخلود من عطائها، على أن تَقَّدَم المادة على مسار بعيد عن القيم يربك الحياة ويقلقها ويتهددها، بل ويزرع الرعب، ويعصف بوجود الإنسان، وما أقامته يداه من وسائل الاحتماء والراحةِ والسعادة التي يتوهمها. فهذا التقدمُ بلا دينٍ قويم وبلا رشد إنساني يبنيه منهج الإيمان الحق فوق أنه لا يحمي، يهدم .. يشقي .. ويحطم.
ج- عدوانيةٌ وإظهار لغطرسة القوة المجردة عن القيم، والمشبعة بروح الغرور والجبروت الموهوم. ولا تأخذ القوة والشجاعة دورهما البناء على يد التربية المادية، وما تقيمه في النفس من تصور خاطئ لدور الإنسان في الحياة أبدا، وهما على يد التربية الروحية وفي التصور الصائب لرد الظلم عن الذات وعن الغير، ونشر العدل، وإقامة الحق، وسد أبواب الشر، وسعادة الإنسانِ فرده ومجتمعه.
٢- صالح لثمود:
" أَ تُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ* فِي جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ* وَ زُرُوعٍ وَ نَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ* وَ تَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ* فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ* وَ لا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ* الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَ لا يُصْلِحُونَ" ٢
تتحدث الآيات الكريمة عن:
١- واقع زراعي مزدهر وجناتٍ وراءها جهدٌ كبير، ومثابرةٌ في العمل، وخبرة. ينضاف إلى ذلك تقدمٌ عمراني وفنٌ بما يستتبعه ذلك من أشر وبطر ومفاخرة حيث لا تقوى تهذب النفوس، وحيث الغياب الكامل للمنهج السماوي الذي يقود حركة الحياة على الأرض، ويصنع الإنسان السوي العادل الذي لا تستخفه الأوضاع المادية المتقدمة.
٢- قيادةٍ مسرفةٍ كثيرة التعدي والتجاوز لحدود لله، ومقتضى الفطرة، وهدايات السماء، وإرشادات العقل. وهي قيادة تنقلب على يدها وظيفة الإنسان في الحياة، فتخرج