محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٥١ - الخطبة الأولى
كل لحظة، كل نفسٍ يعني توديعاً لهذه الحياة، وإقبالًا على الحياة الأخرى. واليوم المنتظر زخّارٌ بالخير والشر الذي يصنعه حاضرنا في هذه الحياة، وإن ساعة الخاتمة التي تسبق المعاينة للموت لا توبة فيها. حينما تعاين نفسٌ الموت، وتبلغ الروح الحلقوم، فلا توبة ولا أوبة. مسرح التوبة والأوبة قبل تلك اللحظة.
وإن ساعة الخاتمة التي تسبق المعاينة للموت ساعةٌ مصيريةٌ حاسمة، تحدد نوع المستقبل الكبير الممتد، فيكون تابعاً لما ترسمه من طريق السعادة والشقاء. فأن تكون ساعة طاعةٍ وإقبالٍ على الله سبحانه وتعالى، فتلك السعادة، أو تكون ساعة معصيةٍ وإدبارٍ عنه عزّ وجل إلى ضلالٍ، فذلك هو الشقاء.
لقد جاء زلزال المحيط الهندي، وكان الناس أصنافاً وأشتاتاً فيما كانوا يعملون وقته، فربما جاء على أناسٍ وهم في فسقهم وفجورهم غارقون، وعلى آخرين قد شغلهم ذكر الله عن ذكر الناس، والتوجه إليه عن كل ما عداه، فما أعظم الفرق بين ساعة أولئك وساعة هؤلاء! وما كان لأحدٍ ممن ظلم نفسه وقد أحاط به الموت، وبلغت روحه مبلغ النَفسَ، وأيقن بالمنية التي أنشبت مخالبها فيه أن يتوب توبةً مسموعة، أو أن يؤوب أوبةً مقبولة. وهل الباقون من بعد أهل الزلزال- في أي مكانٍ- في منجىً حتميٍ من حدث الزلزال وغير الزلزال، مما قد يفاجئ الناس أفراداً وجماعات في أي حينٍ من الأحيان؟! نعم، يأتي الموت على الناس مصلين صائمين تالين ذاكرين متفقهين محسنين، ويأتي عليهم سارقين زانين مغتابين كاذبين ظالمين مسيئين، ليذهب كلٌ بعمله، وتقوده خاتمته إلى سعادته وشقائه.
أيها المؤمنين والمؤمنات، تعالوا لا ننس الآخرة، فإن يومها لا ينسانا، ومن نسي الآخرة ضلَّ عمله عن الطريق، واستنزفت مشاعره مشاغل الدنيا الصغيرة.