محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٥٣ - الخطبة الثانية
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي دلالة خلقه عليه بدلالته، وهداية الفطرة إليه برحمته، وكل آيات جلاله، وبيناتجماله إشعاعها إنما هو بقدرته؛ فهو الدال بذاته على ذاته، وليس لشئ سواه فضل الدلالة عليه. أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله الأخيار الأبرار، الصالحين الأطهار. أوصيكم عباد الله ونفسي الغافلة بتقوى الله فمن اتقى نجا، ومن استكبر وطغى كبا، وفي كبوته النار. وهي بكل ما تعنيه أكبر العذاب وأشد الشقاء، ولا يأتي على الإنسان يوم عذاب، أو ساعة كرب وخزي وذل وحقارة وغربة وهوان كما هو حاله في النار، فويل لمن النار مقره غدا، ويا لشقاء من كتب عليه عذابها أبدا.
أيها الناس إذا غاب الرقيب فرقابة الله لا تغيب وما قيمة أن يغيب الضعيف المملوك والقوي المالك علمهُ محيط؟! وما قيمة الاستتار بالذنب عمن يموت حين لا حيلة عن الاستتار عن الحي القيوم الذي لا يموت؟! وما قيمة أن يغيب من يُستغفل، ومن يضلل ويغالط إذا كان من لا يغفل ولا يضِلُّ ولا ينسى ولا يغالط مطلعاً على الأمور؟! ألا فلنتق الله في الخلوات، وحين لا ناظر ولا سامع ولا رقيب من الخلق؛ فان الخالق البصير السميع، الخبير العليم، الرقيب الحفيظ لا يغيب عن علمه شيء، ولا تستر منه ظلمة ولا حجاب. وكيف يستتر منه من لا وجود ولا حياة له إلا به ووجوده وحياته تتنزل عليه استمراراً مقدَّرة بإذنه؟!
اللهم أعذنا وإخواننا المؤمنين والمؤمنات من أن يكفَّنا عن الذنب الحياء من غيرك، ولا يكفَّنا عنه الحياء منك، أو لا يكفَّنا عن القبيح حياؤنا منك إلا بأن يكون لنا حياء من سواك، اللهم اجعلنا نراك كما أنت بالحق أعظم ناظر، وأحق من يخاف ويخشى، ويؤمل ويرجى، وأجلّ من أمر ونهى.