محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٣٤ - الخطبة الأولى
وفي التصور الآخر المقابل الجاهل؛ قُردٌ متطور تطورا لا يخرج به عن ضرورات القرد وحاجاته ورغائبه، ولا يخرج بمشكلاته ومعاناته عن معاناته ومشاكله، والعقل وأي طاقة أخرى عند الإنسان وسيلة متقدمة تخدم الضرورات والشهوات والنزوات التي يستوي فيها هو وإخوانه وأجداده القرود.
الإنسان هدفا: (إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ ...)
الله عز وجل أفاض على هذا الإنسان الوجود برحمة منه لا لتتوقف رحمة الله عن هذا المخلوق، ولا ليشقيه إنما ليواصل رحمته به وإفاضاته عليه. الله عز وجل لم يخلق الإنسان للشقاء، إنما خلقه للسعادة، لأن يكتمل في ذاته بدرجة أكبر، لأن يصل إلى القرب الإلهي الذي لا يجد في ظلّه شيئا من الشقاء.
ما طريق الرحمة لهذا الإنسان في ذاته الإنسانية؟ تقول الآية الأخرى (وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ).
المخلوق له الإنسان هو الرحمة به، هو أن تتواصل فيوضات الله تبارك وتعالى عليه، أما العبادة فطريق الاستحقاق، طريق التأهيل (وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ).
هذه العبادة ماذا تفعل؟ (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ...).
يخرجهم من الظلمات إلى النور بمنهجه الحكيم الدقيق الرصين، الذي يعلم من الإنسان كلّ ذرة، ويعلم منه كل خلجة وكل خاطرة. يعلم منه كل قواه، وكل ما فيه من ضعف، وكل ما يعتريه من نسيان، وكل ما يعتريه من خطأ، ويعلم منه كل ما يعالج أمره، كل ما يضره وكلما ما ينفعه، ويعلم بمحيطه الضيق، وبمحيطه الكوني الوسيع في كل ذرة من ذراته، وفي كل جنبة من جنباته، وفي كل تأثير من تأثيراته.
وعلى طريق هذا المنهج تقول الآية الكريمة: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ