محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٩٦ - الخطبة الأولى
ما أخّر؟ فقدّموا فضلًا يكن لكم، ولاتؤخّروا كلًا يكن عليكم".
الناس يسألون عن ما بقي من المال، عن ما خلف من مادة، أما الملائكة فسؤالهم عن مستقبل هذا الرجل، وهل قدّم ضمانة لنفسه، أو لم يقدم ضمانة لنفسه؟، ما قدّم؟، ما قدم من عمل؟، ما قدم من صدقة؟، ماقدم من بذل في سبيل الله تبارك وتعالى؟
يسألون عن المال الذي أُنفق في سبيل الله؛ ليفرحوا لهذا الرجل بنجاته وبفوزه، أما الناس فيسألون عما هو محطّ نظرهم، وتعلق مشاعرهم وهو ما ترك من قليل مال أو كثير.
يقول عليه السلام كما هو عنه:" ... فقدّموا فضلًا يكن لكم .." قدموا إحساناً، قدموا خيرا، قدموا فضلا فإن ما تقدمونه من الفضل يكون لكم، أمّا ما تؤخرونه فيكون كلّاً عليكم. ما تبخلون به عن الإنفاق في سبيل الله، عن وضعه في حقه، وفي موضعه المناسب، فإنما هو كل عليكم. هذا الذي كسبتم، وبذلتم فيه الجهد الجهيد، يكون وبالًا عليكم حين تحبسونه عن وجوه الخير ولا تضعونه في الموضع الذي أراده الله تبارك وتعالى.
٣. مال تكون له:
هذا نوع آخر من المال، وهو المال الذي تكون له.
عن الحسن (ع):" مالك إن لم يكن لك كنت له ٤، فلاتبق عليه فإنه لايبقي عليك، وكله قبل أن يأكلك".
إما أن تأكل المال، وليس بمعنى أن تسرف في المأكل والمشرب، إنما تضعه في مصالحك ومنافعك التي تبنيك ولاتهدمك، وذلك هو الصحيح. وإما أن لا تنتفع به وتبقيه وعندئذ يأكلك لأنه يشغلك، ويأكل عمرك، ويأكل جهدك، ويأكل دينك، ويقف بك عن نموك، ويحطّم شخصيتك." فلا تبق عليه فإنه لا يبقي عليك". قد يبقي الإنسان المال بأمل أن يبقي عليه المال، أن يطيل له عمره، أن يخلّده، لكن هذا هو الوهم، وهو الخيال، والحق أن المال لا يبقي على أحد، فإن البقاء له أسبابه، وبقاء المال جامدا ليس سببا لبقاء صاحبه.